• فاطمة النمر

زخارف شرقية

 

تنسج الفنانة التشكيلية السعودية إبداعها، المنفتح على اختلاف المدارس الفنية العالمية، لوحات تتلاقى فيها عذوبة الأنوثة، وفن الزخرفة والمنمنمات، وعبق التراث، وجماليات الأماكن.  

 

تجمع الفنانة المولودة في القطيف دلالات القطع الفنية ورمزياتها من البيئة المحيطة وتفاصيل الحياة اليومية لإغناء أعمالها الفنية بموجودات الطبيعة من السعف والليف وخزائن الذاكرة بين الحكايات والطقوس الشعبية لبناء لوحتها التي تعبر عن هويتها.

الفنانة التي حصلت على بكالويوس التصميم الداخلي من جامعة فيلادلفيا بالأردن تفيد من الدفء الذي تتركه المنسوجات الزخرفية بإيقاعاتها البصرية المتكررة التي تمنح المتلقي هدوءا وراحة وفرحا، وتركز على جماليات السجاد وتشكيلاته وألوانه وخيوطه لتجعل من زركشاته وتزييناته خلفية لغالبية أعمالها.

لا تبتعد أعمال الفنانة التي أقامت أكثر من ستة معارض شخصية عن البيئة التي نشأت فيها، سواء في إطارها الثقافي العام أو الإطار البصري لإغناء سطح اللوحات بجماليات الفن الإسلامي في أنغامه الزخرفية التي تقوم على متواليات الأرابيسك، وملء الفراغ وتعدد مصادر سقوط الضوء.

ومع أن الفنانة بدأت تجربتها باللونين الأبيض والأسود إلا أن بحثها المستمر قادها إلى تقنية حداثية نجحت معها في ابتكار لوحتها التي تثري سطحها بالكولاج والصور والطباعة والرسم، ما يجعل اللوحة طبقات من الألوان والرموز والخطوط التي تشبع مساحة المشاهدة.

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

 

لوحة داخل لوحة

الفنانة التي بدأت الرسم مبكرًا ولقيت تشجيعا من والدتها لا تقف عند عتبة البناء البصري وجماليات اللون والخط فحسب، وإنما ترى في سطح اللوحة حاملا للفكرة التي تريد إيصالها للمتلقي، وهي رسالة تنطوي على موقف من الوجود والحياة والكون والمجتمع وخصوصا المرأة، ومن هنا فإن اشتغال الفنانة فاطمة النمر على مربع السجاد بالزخرفة النباتية أو الهندسية يكشف عن علاقة بين الدال والمدلول بتمثلات تقنية تجعل من عملها "لوحة داخل لوحة" للمواءمة بين الفكرة والشكل الذي يمنح اللوحة ملمحها وهويتها الشرقية.

وكما تفيد الفنانة من التجارب العالمية لجهة التقنية في المزج بين مختلف مدارسها وتقنياتها، وتواصل تطويرها باكتشاف الطاقة التي يمنحها التراث العربي لفضاء اللوحة، فإنها تحرص على توظيف التصاميم والنقوش الإسلامية التي تبرز هويتها وأسلوبها الفني مستفيدة من اشتغالها في تصميم الذهب والفضة.

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 106 x 65 سم.

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 106 x 65 سم.

 

تقول الفنانة إنني منذ مطلع القرن حينما تفرغت للفن، أصبح الفن حياتي، وتحول "محترفي، ومرسمي إلى عالمي الذي أرى فيه نفسي وحريتي"، وأحرص على متابعة أبحاثي على المحتوى والشكل، لتطوير أسلوبي وترجمة فلسفتي الجمالية والفكرية التي تمزج بين تأكيد الأصالة، والانفتاح على العصر بالاعتماد على معطيات "المكس ميديا" في الفن الذي ينوع بين القماش والسجاد والأدوات التراثية القديمة والصور التي تمنح مساحة للانفتاح على المعاصرة لإيصال رسالتي بلغة تشكيلية حديثة.

أما الكاتبة التونسية دلال صماري فتقول: إن الفنانة فاطمة النمر "تؤلف على سطح المحمل - اللوحة بحساسية وقدرة بالغتين بين المواد والصور والزخارف المتنوعة ذات المرجع الإسلامي، مواد متناقضة متداخلة بعناية بالغة تطلق العنان للقدرات التعبيرية للمواد والمحمل للانصهار والتوحد والخروج إلى المتلقي في صور متناغمة".

"لا تقف فاطمة النمر عند عتبة البناء البصري وجماليات اللون والخط فحسب، وإنما ترى في سطح اللوحة حاملا للفكرة التي تريد إيصالها للمتلقي"

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

 

"المرأة" الفنانة الأولى

إن مراجعتنا للتاريخ وعلم الإنسان تفيد أن المرأة منذ زمن بعيد كانت "حارسة الجمال" فهي التي كانت تتولى تزيين البيت من الداخل والخارج برسوم فطرية تستعيرها من البيئة، مستخدمة الشيد والحناء والنيلة والأتربة أو النباتات والصبغيات المختلفة، فتقوم برسم النخل والسرو والأشكال الهندسية على جدران البيوت الطينية، وكذلك النقش على آنية الفخار التي تستعملها في الطعام والتخزين بتحزيز عدد من الأشكال، وهي تقصد من خلال أشكال المثلثات والخطوط المتعرجة والمربعات والمعينات بالدرجة الأولى إلى تزيين الآنية بمفردات جمالية، ولكنها من جهة أخرى تهدف إلى إسقاط ثقافتها على الآنية التي تعكس وجودها.

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 106 x 65 سم.

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 106 x 65 سم.

 

 في تجربة الفنانة النمر استدعاء لذلك التاريخ وتلك الثقافة التي كرستها المرأة فنيا وجماليا، تستعيدها الفنانة لتعبر عنها بصريا بلغة اللون والخط، كلغة خافتة تشبه صوت المرأة وتشي بدور المرأة التاريخي والاجتماعي والثقافي كسادنة للتراث.

تمثل المرأة موضوعًا رئيسًا، وبحثًا في التاريخ والهوية بإزاء المرأة السعودية التي تصفها بأنها "قوية وطموحة، مثقفة روحيا وفكريا".

 أما اختيار الفنانة النمر للسجاد موضوعا لخلفية اللوحة فيمثل استحضارا لإبداع المرأة ومقاربة بين الإنسان وإبداعه، فهي تحمل موضوع المرأة بوصفه فلسفة تنحاز فيها لتعايش المجتمع بتاريخه وقصصه التي تتجلى في منجزه الجمالي الذي اختصر في روعة السجاد.

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

 

الفن مرآة المجتمع

من هنا يمكن فهم اختيار الفنانة تجسيد صورة المرأة التي غالبا ما تشتمل على صورة الفنانة الشخصية وعائلتها ليس لتبنيها مقولة "الفن للفن"، وإنما لأنها تتعامل مع المرأة بوصفها "قضية" يمثل شموخها وكبرياؤها مركزا وموضوعا للوحة. وعمدت لإثراء خلفية العمل الفني بالمفردات الشعبية التي تنتجها تلك المرأة، ومنها السجاد الذي يمتاز بزركشاته وأنغامه الجميلة التي تقوم على مبادئ الفن ومعاييره في التناغم والانسجام والإيقاع وإشباع السطح وتوزيع الكتل وتعدد الألوان وقوة الخط، لتؤكد في استعارتها لمنتج اللوحة أصالة الموروث الفني الذي تستند إليه وحداثة معطياته في الوقت نفسه، لتقول: إنها حفيدة "الفنانة الأولى" التي أنتجت اللوحة الأولى في السجاد.

تقول الفنانة: وددت أن أكون "مرآة لمجتمعي، أنقل قصص النساء وحكاياتهن وطقوسهن وأوثق العادات والعمران والحضارة لبلدي بصورة معاصرة. ما أزال أدعم حقوق المرأة، لأنني أرى نفسي في كل نساء العالم، وأعبر في لوحاتي عن التعايش الفكري والثقافي والإنساني".

اما الناقدة صماري فتقول: إن صورة المرأة "تمثل عنصرًا من عناصر الزخرفة في العمل الفني حيث تظهر في أوضاع مختلفة متآلفة مع الزخارف والحروف والأشكال المرسومة التي تتطلب من متأملها إيجاد الآليات لفك شفراتها، ومنها شخصيات عالمية، ذهبت الفنانة من خلالها إلى عالم جديد من الجمال الزخرفي".

"تمثل المرأة موضوعا رئيسا، وبحثا في التاريخ والهوية بإزاء المرأة السعودية التي تصفها بأنها "قوية وطموحة، مثقفة روحيا وفكريا""

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 106 x 65 سم.

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 106 x 65 سم.

 

تناغم الألوان

الفنانة فاطمة النمر التي أقامت عددا من المعارض منها: "ريحانة"، و"كيان"، و"الحب الأزلي"، و"بقاء" تستوحي ألوانها وظيفيا من البيئة التي تعيشها شخوص أعمالها بواقعية، وتستعمل كل ألوان الطيف وتمازجاته وتدرجاته لتشكيل ألحانها وموسيقاها التي تتناسب مع التلقي البصري بين الارتفاع والخفوت المتجانسين للانتقال من الزخرفات والزركشات إلى المساحات المتضادة التي تمنح العين راحة التنقل دون الركون للتفاصيل، وهي تعي الفضول الذي يمكن للمتلقي أن يقوده لتلك التفاصيل التي تتعلق بالملامح الإنسانية فتلجأ لطمسها بزركشات تخفي التعيين التشخيصي من خلال طمس الوجه بوحدة زخرفية تكرارية تنسجم مع المساحات التي تمتد على سطح اللوحة، وتعيد عين المتلقي رحلتها البصرية في تضاريس اللوحة وخلفيتها الزخرفية.

 ومع تعدد الأنغام الزخرفية وأشكالها، إلا أن الفنانة لا تبالغ في التلوينية الصارخة التي تثير الضجيج حول العمل وتنزعه من بيئته المتوازنة، خصوصا في اختيارها لمساحة اللوحات الكبيرة التي تحوي كثيرًا من الرموز والأشكال والمفردات المتنوعة بين التراثي والشعبي، فهي تقتصد في البذخ اللوني لمصلحة التكرار الإيقاعي والتنويع بين الكتل والكثافات والأشكال التي تحول المشاهدة إلى إيقاعات سمعية بصرية تخاطب مجسات التلقي على اختلاف اهتماماتها وميولها ومرجعياتها الثقافية.

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

 

الفنانة النمر، وهي عضو الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، وجماعة الفن التشكيلي بنادي الفنون بالقطيف، اختيرت من بين ست فنانات سعوديات لإيصال رسائلهن للعالم، وفي ذلك تقول: إن "الفنانة السعودية سجلت حضورها في الساحات التشكيلية العالمية بثقة، من خلال المعارض والمشاركات في التظاهرات العالمية، لافتة إلى مشاركتها في معرض "الفن ومملكة" بلندن، ومتحف الفن الحديث في إسطنبول، ومعرض "الفن المعاصر" متحف الفن الحديث استوكهولم بالسويد. كما عرضت أعمالها الفنية في كولومبيا، وأمريكا، ومصر، والأردن، والبحرين، والإمارات، والكويت، وعُمان، وكازاخستان، وتركمانستان، واليابان، وهولندا.

كما شاركت في معرض "فنانون من الشرق الأوسط والدول الاسكندنافية" بمتحف أمير ويلز في مومباي بالهند، ومعرض قصر اليونسكو بباريس، ومعرض مهرجان جرش للثقافة والفنون بالأردن، فضلا عن مشاركتها في عشرات المعارض الجماعية في السعودية.

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 140 x 140سم.

 

تغيير الصورة النمطية

تقول الفنانة النمر التي نالت عدة جوائز، منها الجائزة الأولى في معرض الفن السعودي المعاصر 2010، و"جائزتا مسابقة الشباب الثانية 2010"، و"تشكيل الخط 2011": إن المعارض التي أقيمت في الغرب "غيرت الصورة النمطية عن المرأة السعودية، فلم يعد الجمهور يتوقع أن يرى الصحراء وبيت الشعر والجمل، بل يشاهد فنا معاصرا بلغته وتقنياته." وتقول إن المشاهد الغربي "انبهر مما شاهد"، لافتة إلى اللوحة التي اقتنتها قرينة الرئيس الأمريكي ميلانيا ترمب وحملت عنوان "المحبة والسلام" والتي عبرت فيها عن دهشتها بمستوى المرأة - الفنانة السعودية.

ترى الفنانة فاطمة النمر أن الفنان عليه أن يطور أداوته وتقنياته وأسلوبه ليمتلك لغة العصر التعبيرية لإيصال خطابه البصري ورسالته، مؤمنة أن التقنية ضرورة للمستقبل، وهي تجربة مهمة تاريخيا، وأن على كل فنان أن "يجد القوة في داخله من خلال إيمانه بنفسه، لأن الفن برأيها يجدد الإيمان بالنفس"، وتقول: "إيماني بنفسي وعشقي للفن جعلني أتخطى كل العقبات والتحديات."

استطاعت الفنانة فاطمة النمر خلال عقدين من الزمان أن تؤسس أسلوبها الخاص وهويتها التشكيلية من خلال موضوعها الذي ينحاز للمرأة، وتقنياتها التي تمزج بين مفردات التراث وتعبيراتها المعاصرة. يقول الفنان التشكيلي والناقد الأردني محمد العامري: "إن الفنانة فاطمة النمر تعد من الأسماء النسوية التي استطاعت أن تجد ضالتها عبر الفنون الطباعية وأعمال الديجيتال، فكان الموضوع الأهم في تلك الأعمال حياة الفنانة وذاتها التي أضفت عليها هموم المرأة وهواجسها، واستطاعت أن توظف الزخارف الشرقية كخلفيات لأعمالها بصورة لافتة خصوصا رقش السجاد، فجاءت أعمالها أقرب إلى المنمنمات التي تبدي تمسكها على صعيد التكوين والبناء الفني."

 

كولاج، طباعة على القماش، مواد مختلفة، 106 x 65 سم.

 

 

اشترك بالنشرة الإخبارية

 

 

آخر الموضوعات