في محترف ناء ينبسط عند شاطئ البحر في بريسبان، ويشرف على مشهد لدلافين تمرح فوق صفحة الماء، يعكف التوأمان المتطابقان ديفيد ومايكل روبنسون على ابتكار قطع جواهر غاية في التميز. تعكس هذه القطع ذاك المستوى من الإبداع والإتقان الحرفي الذي يتوقع المرء أن تنبثق تجلياته عن محترف مرموق في باريس، أو أن تزين واجهات العرض في متجر إحدى الدور التي تتخذ من ساحة فاندوم مقرًا لها. لكن إذ يقر ديفيد بأن نمط الحياة المعزول الذي يتبعه وشقيقه (حتى أنهما لا يمتلكان هاتفًا خلويًا) يتيح لهما التركيز حصريًا على حرفتهما، يقول: «إن الأمر يقتصر في الواقع علينا نحن الاثنين، إذ ننكب في الخفاء، ودون أي متدربين، على صنع القطع التي نريد».

 

يعتمد الشقيقان البالغان من العمر أربعين عامًا على طاقة الشمس ومياه الأمطار المجمعة لتشغيل الاستوديو الصديق للبيئة الخاص بهما. هناك يصنعان 15 قطعة من الجواهر فقط في السنة الواحدة، ولا يتطلعان إلى زيادة إنتاجهما.

 

يقول ديفيد: «إن ما نقوم به ليس عملاً، وإنما تعبير عن الشغف». يتجسد هذا الشغف في العمل الحرفي اليدوي الفذ الذي يعتمده الشقيقان في تشكيل ابتكاراتهما متميزة الزخارف. تؤطر، على سبيل المثال، حبيبات صغيرة من الألماس حجرًا ألماسيًا أصفر براقًا ذا قطع وسادي رُصع به خاتم كبير الحجم من اللؤلؤ الذهبي. وفي خاتم يستلهم تصميمه ورقة نباتية تزدان بنفائس الحجارة، تحيط بتلات متماوجة الشكل صيغت من البلاتين، ورُصعت بحبيبات الألماس زهرية اللون، والياقوت الأحمر والأزرق والإسبنيل، بكتلة من لآلئ المحار الزهرية النادرة. وقد زُخرفت حواف الخاتم الدقيقة بغبار الألماس أو الأحجار الكريمة على نحو يجعل الخاتم يتوهج بالضياء من كل زاوية بغير تكلف.

 

يستغرق تحقيق هذا المستوى من الإتقان الحرفي الرفيع سنوات من التدريب، وقد بدأ الشقيقان يتعلمان أصول هذه الحرفة منذ أن كانا صبيين فتيين يزجيان الوقت في فترات ما بعد الظهر في متجر الجواهر الخاص بوالدهما في نيوزيلندا. عندما انتقلت العائلة إلى أوروبا، حيث عمل الوالد في دار شوميه وفي شركة بايكس أند شتراوس، اكتشف التوأمان الفن الحرفي الأوروبي. وإذ عادا أدراجهما إلى نيوزيلندا، ابتكرا جواهر لحفلات الزفاف بتوصية من زبائنهما الذين يمتهنون البيع بالتجزئة، قبل أن ينتقلا منذ أربع سنوات إلى منطقة بريسبان ذات المناخ الأكثر اعتدالاً لتحقيق حلمهما الإبداعي. أمضى الشقيقان السنوات الثلاث الأولى في اختبار إمكاناتهما، وصقل عملهما الحرفي، وابتكرا قطعًا من الجواهر دون أن يخطر لهما التفكير في بيعها.

 

ولم يكد التوأم ينشران ابتكاراتهما على موقع إنستغرام حتى لفتا انتباه ناتالي بيتريدج التي تمتلك أسرتها محال بيتريدج Betteridge للجواهر في فايل، وآسبن، وغرينيتش بكونيتيكت. لم يهدر فريق ناتالي أي وقت لإقناع الأخوين بالسماح لشركة بيتريدج بأن تصبح الموزع الحصري لجواهر ديفيد مايكل في أمريكا. تقول بيتريدج: «لقد جذبني استخدامهما للألوان على نحو يحاكي جودة اللوحات الفنية، والتفاصيل المعقدة المميزة لكل قطعة». وتلفت بيتريدج إلى أن تنفيذ كل قطعة يدويًا من البداية إلى النهاية يضفي عليها «طابعًا مصقولاً دقيقًا في تمايزه ولا يشابه غيره».

 

للنخبة فحسب يصنع الأخوان في السنة الواحدة نحو 15 قطعة متفردة من الجواهر فقط.

للنخبة فحسب يصنع الأخوان في السنة الواحدة نحو 15 قطعة متفردة من الجواهر فقط.

 

إذ التزم الثنائي بمسار تصنيعي بالغ النقاء، نبذا استخدام التقنية. تُصاغ كل قطعة من سبيكة أو صفيحة من الذهب تُلف وتُطرق وتُمدد. كما يعمل الأخوان على قطع الأحجار وتثبيتها وصقلها يدويًا. يقول مايكل: «إن تشكيل المعدن يدويًا يتيح لهما صياغته في طبقة بالغة الرقة فلا يعود ظاهرًا، ما يتيح إبراز الحجارة».

 

بينما يعمل الشقيقان معًا سبعة أيام أسبوعيًا في غالب الأحيان، يقضيان في العادة أسابيع أو أشهرًا عدة في إنجاز قطعة جواهر واحدة. تستلهم ابتكاراتهما في معظمها مظاهر الحياة النباتية والحيوانية في محيطهما، لتنبثق كل قطعة عن رسم بالألوان المائية من ابتكار مايكل. يستغرق ابتكار تصميم واحد معدلاً وسطيًا ما بين 200 ساعة إلى 300 ساعة. بل إن إنجاز تصميم ابتكراه مؤخرًا، بإيحاء من حب مايكل للمنمنمات المطلية يدويًا التي تعود إلى القرن التاسع عشر، استغرق أكثر من 400 ساعة.

 

تأنى مايكل في إبداع رسم بالألوان الزيتية لسمكة شبوط من فصيلة كوي اليابانية على شريحة من عرق اللؤلؤ، وغطى الرسم بطبقة طولية رقيقة جدًا من الزبرجد للإيحاء إلى موطن السمكة تحت صفحة الماء، ثم أحاطها بمعالم الخضرة النباتية المشغولة من حجارة تسافوريت الخضراء، وبمكعبات من الألماس الرمادي الخام لمحاكاة الحصى. يمكن التزين بهذه المأثرة في هيئة مشبك أو عقد بقلادة. كما أنها مرفقة بمحمل صغير يتيح استعراضها. هكذا ينظر الأخوان إلى إبداعهما. يقول مايكل: «إننا لا نصنع منتجات، بل نبتكر أعمالاً فنية».

 

جواهر ديفيد مايكل  


www.betteridge.com