المعماري الشهير عالميًا بتصاميمه ذات المزايا التغييرية يستعيد ذكريات الطفولة وبداياته المهنية، ويتفكر في مسائل العرق والتاريخ والسياسة.

 

قبل عقد ونيف، أوشك ديفيد أدجاي أن يفلس بعد أن انهارت شركته الناشئة في مجال العمارة بسبب أزمة الركود العظيم. يستعيد أدجاي تلك المرحلة قائلاً: "تقلصت الميزانيات إلى حد بالغ. كانت شركتي تضم آنذاك نحو 30 موظفًا، وكنا نعمل تقريبًا في ستة مشاريع مُرضية. لكني كنت أرتجل. لم أكن رجل أعمال. كما أني خسرت مدخراتي كافة إذ مررت بحالة إعسار واضطررت إلى سداد مستحقات الجميع من مالي الخاص."

كانت تلك انتكاسة قاسية لمعماري حظيت أعماله المبكرة بالاهتمام لما تميزت به من تصاميم ثورية صارمة. لكن لم يكد يمضي عام واحد حتى فاز أدجاي  سنة 2009 بالمنافسة المحمومة لتصميم متحف سميثسونيان الوطني لتاريخ الأمريكيين الأفارقة وثقافتهم في العاصمة واشنطن، الأمر الذي قلب أوضاعه رأسًا على عقب على نحو مذهل. يقول أدجاي  متعجبًا: "ما إن ظن الآخرون أن أمري قد انتهى حتى أعاد متحف سميثسونيان إحياء اسمي وتقديمي إلى المجتمع الأمريكي. بدا الأمر خارجًا عن المألوف." بل إنه يصف تلك التجربة بالولادة الجديدة.

لم يشكل المتحف، الذي افتتح سنة 2016، خشبة نجاة شخصية فحسب. بل إنه ضمن أيضًا للمصمم البريطاني من أصل غاني الفوز بجوائز عدة ارتقى بها إلى طبقة المشاهير من المعماريين. في العام التالي، فاز أدجاي  بوسام الفروسية. بات المصمم واحدًا من المعماريين الناشطين اليوم الأكثر شهرة، وأصبح الرجل المختار لتصميم النصب التذكارية والمتاحف. كما أنه بات أشبه بناطق باسم المعماريين ذوي البشرة السوداء، هذا الدور الذي يضطلع به بفصاحة، وإن على مضض.

 

الواجهة الخارجية لمتحف سميثسونيان الوطني لتاريخ الأمريكيين الأفارقة وثقافتهم.

Getty Images
الواجهة الخارجية لمتحف سميثسونيان الوطني لتاريخ الأمريكيين الأفارقة وثقافتهم.

 

يجسّد اليوم ديفيد أدجاي، البالغ من العمر 54 عامًا، نموذجًا صادقًا عن معماري شهير من العصر الحديث، تتوزّع منازله ومكاتبه في لندن، ونيويورك، وغانا. كما أنه صمم منازل لشخصيات وجهات بارزة أخرى في المجال الإبداعي، ما يشكل دومًا وسام شرف على صدره. شملت قائمة زبائنه الممثل إيوان ماكريغور، والفنانين كريس أوفيلي وجايك شابمان، والمصوّر يرغن تيلر، ومؤسسة Make It Right التي أطلقها براد بيت، فضلاً عن كوفي أنان، الأمين العام الراحل للأمم المتحدة. يجري العمل حاليًا على بناء برج الشقق الفاخرة 130 William الذي صممه أدجاي في وسط مانهاتن، كما أنه يتعاون مع مجموعة فورسيزونز الفندقية لتصميم وحداتها السكنية الخاصة الجديدة في العاصمة واشنطن. ستنشر دار ثايمز آند هادسون Thames & Hudson هذا الشهر أحدث كتاب يوثّق إبداعاته تحت عنوان ديفيد أدجاي: الأعمال من 1995 إلى 2007 (David Adjaye: Works 1995 – 2007).

 

"تجذبني المشاريع التي تتسم بمزايا تغييرية ومزايا تخدم مفهوم العدالة. إن هذا ما يستثير حماستي."

 

معماري يصعب تصنيفه  

قبل جائحة كورونا، كان أدجاي يمضي الجزء الأعظم من وقته على علو 30 ألف قدم، مرتحلاً بين جامعات هارفارد وبرينستون وييل حيث يتولى مناصب تدريسية، وبين مواقع مشاريعه في أستراليا، وأبو ظبي، ولبنان، والنرويج، والسنغال، وغانا. خلال حفل عشاء أقامه البيت الأبيض سنة 2012 لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون، جلس المعماري إلى الطاولة الرئيسة مع الرئيس أوباما.  

يقول روين مور، الناقد في مجال العمارة الذي يكتب لصحيفة ذا أوبزيرفر في لندن: "ينعم أدجاي اليوم بحياة مذهلة إذ يعمل في أماكن كثيرة مختلفة. لا أعرف كيف ينجح في ذلك. إنه أمر جنوني." بعيدًا عن شهرة أدجاي، يضيف مور أن الوسط المهني المعماري "لم يتبنَه على نحو تام"، والسبب في ذلك يُعزى إلى صعوبة تصنيفه. إنه "ليس فردًا في عصبة" على ما يقول مور. فضلاً عن ذلك، يشير الناقد إلى أن قوة أدجاي "تكمن في مقدرته على الاستجابة لأي حالة بابتكار جديد. إنه يبرع في تصميم الواجهات الخارجية للأبنية." أما نقطة ضعفه من منظور مور، فتتمثل بكونه "لا ينشغل بالتفاصيل".

في بريطانيا، يمكن أحيانًا ملاحظة هذا النوع من الاستعلاء غير الصارخ تجاه أدجاي في التعليقات الإيجابية عمومًا والتي غالبًا ما تصفه بالمصمم العصري الذي يبرع في بناء العلاقات ويُعد منتجًا طموحًا لمشاريع غير تقليدية تلفت الأنظار وتلقى استحسان المشاهير والجماهير.

لكن هذه الصورة الإعلامية تبهت في بعض الأحيان. فالمعماري "المفضل لدى أوباما"، على ما وصفته الصحافة المختصة في مجال التصاميم، لم يفز في نهاية المطاف بالتفويض لتصميم المكتبة الرئاسية في شيكاغو (كان هذا الفوز من نصيب شركة Tod Williams Billie Tsien Architects للتصاميم المعمارية). لم يترعرع أدجاي في منطقة هامبستيد المخصصة للأثرياء على ما تشيع الصحافة بانتظام في أمريكا وأوروبا. بل نشأ في ضاحية كريكلوود المجاورة التي تفتقر حتمًا إلى أي جاذبية.

على المستوى الشخصي، يُعد أدجاي أكثر عقلانية وهشاشة مما توحي به صورته في الإعلام. من الجلي أنه يُعنى بالمشاريع العامة التي يصممها أكثر من اهتمامه بأي برج سكني فاخر. وفي هذا يقول: "تجذبني المشاريع التي تتسم بمزايا تغييرية ومزايا تخدم مفهوم العدالة. إن هذا ما يستثير حماستي."

يتحدث المعماري إلى مجلة Robb Report عبر تطبيق زوم من أكرا، حيث تلطف قهقهته المُعدية تصريحاته التي يصوغها بتأن، وحيث يحمل قميصه الأصفر ذو الزخارف الزاهية مسحة إشراق إلى الخلفية الرمادية في مكتبه، وإن كان قد اختار لوحة ألوان أغمق للجلسة التصويرية الخاصة بالمجلة. تشهد مشاريعه الإفريقية ازدهارًا، وهو يمضي أوقاته في زمن الجائحة في عاصمة غانا مع زوجته آشلي شو-سكوت أدجاي وولديه الصغيرين، ويدرس بعض الأفكار لتأسيس بيت جديد للعائلة هناك.

 

داخل متحف سميثسونيان الوطني لتاريخ الأمريكيين الأفارقة وثقافتهم، الذي صممه أدجاي.

Alan Karchmer
داخل متحف سميثسونيان الوطني لتاريخ الأمريكيين الأفارقة وثقافتهم، الذي صممه أدجاي.

غربة وانتماء

كانت الغلبة في طفولة أدجاي للاغتراب والارتحال. فوالده كان دبلوماسيًا من غانا، لذا عاش في تنزانيا، وأوغندا، وكينيا، وغانا، ومصر، ولبنان، والمملكة العربية السعودية، قبل أن تستقر العائلة في لندن مع بلوغه الثالثة عشرة من العمر. اضطربت، على نحو متزايد، مرحلة الصغر "مقطوعة الجذور"، على ما يصفها، بسبب صدمة نفسية اختبرها عندما أصابت إيمانويل - أحد شقيقيه الأصغر منه سنًا - عدوى، وهو لا يزال طفلاً دارجًا، سببت له إعاقة جسدية وعقلية.

كرست سيسيليا، والدة أدجاي، وقتها لرعاية إيمانويل الذي ما فتئ يعيش معها في لندن. أما والده أفرام، فطلب خفض رتبته المهنية ليتسنى له نقل العائلة إلى لندن لتوفير أفضل رعاية ممكنة للطفل. يقول أدجاي بنبرة هادئة: "غيّر هذا الظرف النظام الحيوي للعائلة. فعلى ما هو متوقع، بات فجأة هذا الصبي البالغ من العمر سنة واحدة هو محور الاهتمام الوحيد الذي رغب والداي في التعامل معه."

بعد أن أمضى أدجاي طفولته في مدارس عالمية خاصة، انتهى به الأمر إبان مرحلة المراهقة في إحدى مدارس لندن الحكومية. تورّط المراهق "في مشكلات كثيرة" على ما يقول. تبين له أن المدرسة الإنكليزية "غير متطورة إلى حد صادم." لكنه إذ يعيد النظر إلى الأمور بعد مرور سنين، يقدّر نشأته التي اتسمت بالترحال. يقول أدجاي: "إن أفضل تعليم يمكن للمرء أن يحظى به هو ذاك الذي لا يدرك أنه يتلقاه. لن يُصاب عندئذ بالذعر في مواجهة ظروف جديدة." يشعر المعماري بالراحة والانتماء في أثناء السفر، وفي هذا يقول مبتسمًا: "أختبر أقصى درجات الراحة في العمل في أي مكان من العالم يُسمح لي بالسفر إليه."

تعزو ليسلي لوكو - عميدة مدرسة سبيتزر للعمارة في كلية City College of New York، وهي زميلة بريطانية من أصل غاني تعرف أدجاي منذ نحو عشرين عامًا – تعزو نجاحه إلى كونه نشأ "دخيلاً من الطراز الرفيع". تقول لوكو إن أدجاي "كان دومًا يخوض تجارب غير مكتملة، وهذا من شأنه أن يعزز حساسية المرء. إنه يراعي السياقات إلى حد بالغ."

ترى لوكو في هذه الرؤية العميقة للسياق الوسيلة لفهم ميزة يتحلى بها أدجاي وتزعج النقاد في مجال العمارة. تقول لوكو: "إنه لا يتميز بأي أسلوب خاص في ما خلا إتيانه بتصاميم مدروسة في العمق. إنه يتبنى رؤية واسعة النطاق، لذا لا يُعد شخصًا يركز إلى حد مفرط على أدق التفاصيل في المشاريع."

فضلاً عن ذلك، يصفه مور بدبلوماسي في هيئة معماري ويقول: "إنه آسر ومقنع بشخصه وبتصاميمه الأعلى تميزًا للأبنية. كما أنه قادر على التنقل بين أوساط مختلفة والتواصل عبرها. ثمة قدر متساو من الاحترام سواء أكان في منطقة إيست إند بلندن، أم في متنزه ناشيونال مول في واشنطن، أم في غانا."

  

متجر ألارا، لاغوس، نيجيريا.

David Adjaye
متجر ألارا، لاغوس، نيجيريا.

على مقاعد الدراسة

لكن النجاح لم يكن نتيجة حتمية. ظل أدجاي بعيدًا عن إيجاد الإلهام في المدرسة بالرغم من مساعي والديه. وفي هذا يقول: "كانا يجسدان نموذج الإنسان في غرب إفريقيا. كان والدي يصر بلا هوادة على أهمية التعليم. كان يقول إن الانخراط في مهنةٍ ما هو السبيل للإفلات من شرور العالم كلها. كان لا ينفك يردد هذا القول على مسامعنا." لكن أدجاي نجح في إقناع والده بأن يسمح له بالالتحاق بمدرسة الفنون، وفي هذا تنازل من جانب الأب لا ينفك الابن يشعر بالامتنان لتحققه. يقول أدجاي: "كانت تلك اللحظة التي استثارت فيّ مجددًا مشاعر الحب تجاه والدي." (أصبح شقيقه الآخر بيتر أيضًا فنانًا في مجال الفنون الصوتية التصورية.) بل إن أبرز ما كان يشغل أدجاي عندما أفلست شركته سنة 2008 هو أن يشعر والده بالحرج من ذلك.

بعد التخرج في مدرسة الفنون، توجه إلى دراسة العمارة وحاز شهادة الماجستير من الكلية الملكية للفنون في لندن حيث بنى صداقات مع كثير من أعضاء حركة الفنانين البريطانيين الشباب التي روّج لها تشارلز ساتشي في تسعينيات القرن الفائت. قدم أدجاي في مرحلة الدراسة تصميمًا لمركز للرعاية المؤقتة في قلب المدينة مخصص للأطفال المعوّقين (مستلهمًا حالة أخيه)، ففاز عن التصميم بجائزة وطنية مرموقة من المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين. أعلنه المعهد نفسه مؤخرًا الفائز لعام 2021 بالميدالية الملكية الذهبية، إحدى أكثر الجوائز المرموقة عالميًا في مجال العمارة.

 

مركز بيرني غرانت للفنون، لندن.

Assen Emilov
مركز بيرني غرانت للفنون، لندن.

 

الاكتشاف الملهم

خلال سنوات الدراسة، أمضى أدجاي عامًا في اليابان في جامعة كيوتو للفنون، وهو يصف تلك التجربة قائلاً: "كانت مرحلة جذرية، والأهم على الأرجح في مسيرتي التعليمية." في نهاية المطاف، قادته تلك التجربة إلى أن يقدّر مجددًا الجماليات الإفريقية، وإلى بدايات ما يصفه اليوم بالانغماس في مساعدة الدول الإفريقية على التطورعمرانيًا.

أثّر في أدجاي التبجيلُ الياباني لبساطة المباني التقليدية في البلاد، والارتقاء بالمواد الطبيعية غير المنمقة إلى مرتبة الأشكال الفنية، فلاحظ إمكانية تطبيق هاتين الميزتين على الأكواخ الإفريقية المبنية من القش. وفي هذا يقول: "دفعني ذلك إلى التأمل في إفريقيا مجددًا ليس بوصفها مكانًا متخلفًا وضعيفًا، ولكن من حيث كونها فضاء يشتمل على قدرات جمالية هائلة. كنت أقصد مقهى في اليابان وأفكر في مقدار الشبه بينه وبين كوخ من القش. يتكون المقهى بشكل رئيس من القش مع القليل من الأخشاب والمواد الطينية. فلمَ تفتقر قرية جدي إلى التميز الذي يزهو به هذا المقهى؟ كان الأمر أشبه بالنظر إلى عالمين مختلفين، أحدهما يحظى بالتقدير والآخر يتعرض للازدراء. كان ذلك اكتشافًا ملهمًا."

بعد أن أنهى أدجاي دراسته الجامعية وعاد إلى بلاده، ناضل للعمل في مهنة من المعروف أن اختراقها صعب دون شبكة معارف. يقول المعماري: "إن العمارة تشبه عالم الفن من حيث حاجة أي فنان إلى دعم فنان آخر. لا يبرز الفنانون إلى العلن وحدهم، وهذا ما هو عليه الحال أيضًا في مجال العمارة. فلا بد من وجود راع." فضلاً عن ذلك، يعتقد أدجاي أن عرقه كان السبب في وسمه بالدخيل، ويقول: "شعرت بأني لا أتوافق مع هذا المحيط. أمضيت حياتي كلها وأنا أحاول الاندماج في هذا العالم، وقرأت قدر المستطاع عن العمارة الأوروبية."

أمضى أدجاي بضع سنوات محاولاً شق طريقه، فبنى مواقع لتصوير الأفلام الموسيقية، ثم طلب منه صديقه كريس أوفيلي، الرسام الذي كان ساتشي قد أطلقه إلى النجومية، أن يصمم له استوديو خاصًا. أدى ذلك إلى فوزه سنه 1999 بتفويض من ثنائي فني لتصميم ما بات يُعرف باسم إلكترا هاوس Elektra House في شرق لندن. استُلهم المنزل من التقليد الياباني القائم على استخدام النوافذ كلها في الجزء الخلفي من البناء لتعزيز الخصوصية والإطلالة على الحديقة والإضاءة إلى أقصى حد ممكن. خلا المنزل من أي نوافذ تطل على الشارع، إذ استعيض عنها بألواح غير منمقة وبثمن بخس من رقائق الخشب الفينولي تزهو بلون بني داكن، فضلاً عن واجهة خلفية يكاد الزجاج يكون العنصر الوحيد المكون لها. يقول أدجاي: "أجاز لي الزوجان أن أعمل ما أريده ضمن حدود الميزانية المتوافرة للمشروع، وكانت منخفضة جدًا. شكل تصميم المنزل موضوع غلاف أحد أعداد مجلة المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين RIBA Journal."

في بريطانيا، الوفية لتصميم النوافذة الناتئة من واجهات الأبنية، عُدَّ المفهوم الذي طرحه أدجاي ثوريًا. يقول المعماري مقهقهًا: "شاع السؤال فجأة عن هوية هذا الفتى ذي البشرة السوداء الذي يصمم أبنية غريبة." لفت منزل إلكترا هاوس انتباه ريتشارد روجرز، المعماري الحداثي الفائز بجائزة بريتزكر والذي أصبح منذ ذلك الحين صديقًا لأدجاي.

  

مركز نوبل للسلام، أوسلو.

Getty Images
مركز نوبل للسلام، أوسلو.

منظور مختلف

لا ينفك منزل إلكترا هاوس يجسّد الأسلوب الإبداعي المميز لأدجاي الذي يقول إنه يجمع أولاً "معلومات وأبحاثًا وتفاصيل عن السياق" في المنطقة المحلية، ثم يفكر كيف يستخدم الشكل والبنية للتعبير عن غاية المبنى ضمن هذا الإطار. يقول أدجاي: "أحرص دومًا على قراءة السياق وأحاول الارتقاء به. إنها حيلتي الأولى."

لا تكمن الغاية من تحديد سياق التصميم في التوافق مع هذا السياق، بل في  إعادة توجيهه. يقول أدجاي: "إن العمارة مسألة سياسية بامتياز. تكمن الغاية في تغيير رؤية الأفراد للأبنية في تلك المنطقة وحثهم على التطلع إلى ما هو أفضل. كيف يمكن لبناء ما أن يحقق هذه الغاية؟ تكفي عناصر بسيطة جدًا مثل خلوه من الجدران أو تميزه بتصميم صديق لأي فئة من المستخدمين. إن اعتماد هذا المنظور في البداية يتيح الإجابة عن مختلف الأسئلة حول نوع النوافذ أو أنظمة الطاقة التي ينبغي استخدامها."

في منزل إلكترا هاوس على سبيل المثال، كان مطلب الزوجين يتلخص بالتقاط الضوء. يستعيد أدجاي ذكرى ذاك المشروع قائلاً: "فكرت أن أبني منزلاً يتعقب حركة الشمس بدلاً من الانفتاح على الشارع. لذا يبدو البيت عاريًا لكن الضوء يغمره. قال الآخرون إنه ليس بيتًا. الواقع هو أنه ليس بيتًا يرتبط بالشارع والنوافذ. إنه بيت مرتبط بالعالم والضوء. إنه حقًا يعكس تبني منظور مختلف."

كان منزل إلكترا هاوس السبب في شهرة أدجاي، لكنه كاد أن يتسبب في اندثارها. فقد تقدمت السلطة المحلية بدعوى قضائية ضده بتهمة خرق قوانين التخطيط المدني (بسبب تلك الواجهة الخالية من النوافذ). يقول أدجاي إن تدخل روجرز هو ما أنقذه من إدانة محتملة بجريمة. انبهر رئيس الهيئة المحلية الحاكمة إلى حد أنه دعا أدجاي إلى المشاركة في منافسة لتصميم مكتبة مجاورة، وكان هو الفائز بطبيعة الحال.

  

نموذج من إحدى الشقق في برج 130 William في مانهاتن.

Binyan Studios
نموذج من إحدى الشقق في برج 130 William في مانهاتن.

تمايز في الإبداع

أفضت هذه التجربة الأولى في مجال البنية التحتية العامة إلى سلسلة من المشاريع المدنية التي بدأها أدجاي بمركز نوبل للسلام في أوسلو عام 2002 وتوّجها بمتحف سميثسونيان. يقول أدجاي إنه دُعي إلى المشاركة في منافسة لتصميم المتحف الأحدث في متنزه ناشيونال مول بناء على مشروعه لمتحف الفن المعاصر في دنفر الذي اكتمل مؤخرًا، وتصميمه لكلية إدارة الأعمال كبيرة المساحة في موسكو.

عند سؤاله عن سبب دعوة مؤسسة سميثسونيان له للمشاركة في المنافسة، يجيب قائلاً: "ثمة كثير من المعماريين الأمريكيين من أصل إفريقي. لكن أيًا منهم لم يكن يتمتع بحضور دولي، فيما برزت أنا بوصفي شخصًا عمل في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا. كنت أول معماري ذي بشرة سوداء رأوه ينشط على نطاق قاري."

تخوّف أدجاي من أن تعجز شركته الهزيلة بسبب صغر حجمها عن مواجهة التحدي، فتعاون مع فيليب فريلون وج. ماكس بوند جونيور، وكلاهما معماريان أمريكيان من أصل إفريقي رسخا حضورهما على  الساحة. تفوّق العرض الذي تقدم به فريق أدجاي وفاز بالمناقصة على أسماء عدد من الشركات الأعلى تميزًا في قطاع العمارة، مثل آي إم بي، ونورمان فوستر، وديلر سكوفيديو آند رينفرو. (توفي بوند سنة 2009 لكن شركته ظلت منخرطة في المشروع. أما فريلون، فتوفي العام الفائت.) يتدثر المبنى ثلاثي الطبقات الذي أثمره المشروع، والذي يستحضر تصميمه شكل التاج في غرب إفريقيا، بألواح من الألمنيوم تزهو بلون برونزي برّاق، وتتخللها تخاريم متشابكة دقيقة تتبدل ألوانها مع تغير الضوء.

 

"تشبه الواجهات الخارجية التي يبتكرها أدجاي درعا عظميا ظاهره مختلف عما في باطنه." 

 

تصف ألكسندرا لانغ، المؤلفة والناقدة في مجال التصميم، هذه الألواح من حيث كونها "بطاقة تعريف رائعة". تقول لانغ: "يدرك أدجاي الأشكال النمطية والتعقيدات على نحو يعجز عنه كثير من المعماريين المعاصرين. بهرني حقًا خياراته التي توافقت مع المحيط والتي أثمرت في الوقت نفسه متحفًا متميزًا. كان لا بد لهذا المتحف من الارتقاء إلى مستوى الأبنية الرخامية الكلاسيكية الحديثة، وقد اختار أدجاي طريقة رائعة لتحقيق ذلك."

تربط لانغ هذه المقاربة بالتصميم الذي ابتكره أدجاي لمجمّع الوحدات السكنية ميسورة التكلفة شوغر هيل Sugar Hill الذي اكتمل بناؤه في هارلم قبل عام واحد من إنجاز متحف سميثسونيان، والذي تمايزت جدرانه الخارجية المبنية من الإسمنت  الرمادي بنقوش زخرفية لشكل الوردة. لم يلقَ هذا التأثير قبولاً في مجلة نيويورك التي وصفته بالفج وعدّته "نتاج أمسية من التلاعب بتطبيق فوتشوب". لكن لانغ ترى فيه "شكلاً نمطيًا جميلاً" وشاهدًا على مراعاة أدجاي للمادة. تقول لانغ: "إن لكل من عناصر الإسمنت، والمعدن، والمرايا، والزجاج جمالياته ومزاياه المتفردة. تشبه الواجهات الخارجية التي يبتكرها أدجاي درعًا عظميًا ظاهره مختلف عما في باطنه."

يندرج اسم أدجاي اليوم على قائمة أبرز المعماريين المفضلين للفوز بمشاريع تفويض حكومية رفيعة المستوى، بما في ذلك خطة شاملة للتعاون مع شركات أخرى على إنشاء حي باريسي جديد بالقرب من مكتبة فرانسوا ميتران الفرنسية الوطنية، فضلاً عن مشروع إعادة بناء القصر الوطني في هاييتي. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فيعمل على تصميم متحف الفن في جامعة برينستون، بينما مقره الجديد لمتحف استوديو Studio Museum في هارلم قيد البناء. تقول ثيلما غولدن، مديرة المتحف، إن المخطط الأولي الذي وضعه يُعد "امتدادًا لروح مجتمعنا في هارلم". استهلم أدجاي اللغة المحلية للعمارة المحيطة لكنه أعاد تأطيرها على نحو غير متوقع بحيث يجعل المتحف أكثر ترحيبًا بالزائرين. تقول غولدن: "أعاد أدجاي تصور المعاقل شاهقة الارتفاع في كنائس هارلم مجسدًا إياها في ردهة المتحف التي يغمرها الضوء من علو". أما مداخل المباني المحلية الحجرية ذات اللون البني، "فتجسدت في درجات عريضة متعددة المستويات تفضي من المدخل إلى الواحة المخصصة للبرنامج بينما كل درجة منها تشكل فسحة يمكن للجمهور الجلوس فوقها" على ما تقول غولدن.  

 

متحف الفن المعاصر في دنفر.

David Adjaye
متحف الفن المعاصر في دنفر.

الفصل الثالث

يركز أدجاي اليوم بشكل رئيس على إفريقيا، ويعمل على حرم جديد لمعهد إفريقيا، وهو مركز أبحاث في الإمارات العربية المتحدة مختص في دراسة إفريقيا والمغتربين الأفارقة. يصف المعماري إقامته الحالية في غانا "بفصل ثالث" يعقب أعماله المبكرة في لندن، ومرحلة ثانية في الولايات المتحدة الأمريكية تركز الاهتمام فيها على متحف سميثسونيان. يقول أدجاي: "أشعر بأنه قد جرى استدعائي لتحقيق إنجاز لبلد ما. نعمل حاليًا على تصميم الكاتدرائية الوطنية لصالح غانا، أي أنه بالنتيجة إنجاز في غرب إفريقيا وشرقها وجنوبها. إنها مرحلة جديدة عظيمة."

ترافق نجاح أدجاي العالمي مع تحوله إلى مثال نموذجي على المستوى العرقي. إنها مسؤولية "يُعزى جزئيًا السبب في إلقائها على كاهله إلى هيمنة العرق الأبيض على مهنة العمارة" على ما يقول مور. لكن أدجاي يرى أن هذا التصنيف متعال وينتقص من واقع الحال، ويروي كيف أن عددًا كبيرًا من المجلات تواصلت معه عندما انطلقت حركة Black Lives Matter (حياة السود مهمة) لسؤاله عن شعوره بوصفه معماريًا ذا بشرة سوداء. يقول أدجاي: "كنت أرفض الإجابة في معظم الأوقات لأني لا أشعر بأن مهمة تثقيف الآخرين حول هذه المسألة لا تزال منوطة بي."

لكنه يقرّ أيضًا بأن إنجازاته الرائدة تحمل دلالة عميقة على المستوى الشخصي. يقول أدجاي: "إنها ليست عبئًا. إني فخور جدًا، لا سيّما بمتحف سميثسونيان. أشعر بالامتنان. عندما أنظر الآن إلى ولديّ، أشعر بأن في هذا العالم ما يخاطب وجدانهما."

هذا وتشكل شهرة أدجاي مصدر إلهام أصيلاً للشباب من أصحاب المهن الإبداعية ذوي البشرة السوداء. تقول لوكو: "إنه شخصية معقدة، والسبب في ذلك يُعزى جزئيًا إلى حقيقة أنه لم يكن له شبيه من قبل. إنه يقاوم توصيفه بالمعماري الأسود، لكن هذا الواقع الذي يجري التغاضي عنه يتجلى بوضوح عندما يتأمل أي امرئ في أعماله. إنه لا يترك أي التباس حول كونه إفريقيًا بريطانيًا، والإيحاءات التي يستخدمها تنبثق عن فهم عميق للقارة الإفريقية. لا يعرف الآخرون أحيانًا كيف يفسرون ذلك." دعت لوكو أدجاي في إحدى المرات لإلقاء محاضرة في جوهانسبورغ حيث كانت تدرّس آنذاك. وإذ تستعيد تلك الذكرى تقول: "كان محط تبجيل. يرى فيه الطلاب شخصًا مهمًا ومميزًا للغاية."

 

أدجاي في ساحة بلاك ستار في أكرا.

Edem J. Tamakloe
أدجاي في ساحة بلاك ستار في أكرا.

 

في التاريخ والسياسة

أما آراء أدجاي حول دور العرق في السرديات السياسية والتاريخية الوطنية، فتتمايز ببعض الفروقات الدقيقة. يعارض المعماري إزالة التماثيل المثيرة للجدل موضحًا أن إسقاطها يشوّه التاريخ. فمحو ذكرى شخصيات تاريخية جدلية "يولّد هذا الإرباك الذي نختبره اليوم في القرن الحادي والعشرين من حيث إنكار المحرقة اليهودية وعدم فهم الناس للتاريخ الأمريكي" على ما يقول. أما حضورهم المستمر "فيحفز الأسئلة" ويحول دون نسيان التاريخ وتكراره.

تنطبق هذه المقاربة نفسها على اعتقاده بأن بريطانيا تحتاج إلى الكف عن التعامل مع موضوع إمبراطوريتها السابقة بوصفه من المحظورات، لتتفاعل بدلاً من ذلك مع التاريخ الحقيقي لتلك الإمبراطورية، ربما من طريق إنشاء متحف لهذه الغاية. يقول أدجاي: "إن معظم البريطانيين لا يفهمون سوى الجزء الأخير أو القشور عندما يتعلق الأمر بالإمبراطورية. لكن المضي قدمًا في عالم القرن الحادي والعشرين يقتضي أن تدرك بريطانيا تطورها الذاتي، بحسناته وسيئاته. أعتقد أن أي دولة عظيمة تقول: لنحاول حل المسألة، بدلاً من أن تحظر الكلام عنها."

تندرج الغاية من النصب التذكارية، والمسار الذي تحدد الأمم من خلاله ما يستحق أن تُخلد ذكراه والوقت المناسب لذلك، ضمن الموضوعات التي يميل أدجاي إلى التفكر فيها. يوضح أدجاي أن النصب التذكارية للأفراد تتيح الوصول إلى خاتمة. أما الأبنية التذكارية التي يصممها، "فتثير تساؤلات جديدة وتحث على التفكير" على ما يقول.

 

"إنه شخصية معقدة، والسبب في ذلك يعزى جزئيا إلى حقيقة أنه لم يكن له شبيه من قبل. إنه يقاوم توصيفه بالمعماري الأسود، لكن هذا الواقع الذي يجري التغاضي عنه يتجلى بوضوح عندما يتأمل أي امرئ في أعماله."

 

يثمّن أدجاي النصب التذكاري لقدامى المحاربين في فيتنام، الذي ابتكرته مايا لين والذي ينتصب في متنزه ناشيونال مول، لأن القائمة الطويلة بأسماء الضحايا والمفقودين لا تسعى إلى تعديل التاريخ عبر تقديمه في صورة سردية قائمة على التسلسل الهرمي. فلا اسم أهم من غيره، وكذلك لا منصب. إن التجربة التي اختبرها في نزهة مطولة وهو يقرأ الأسماء المنقوشة على الجدار تحضر في الرحلات الحسية التي ابتكرها لمتحف سميثسونيان.

في منزله في إفريقيا، يتفكر أدجاي في تاريخ البشرية وكيف يمكن للحكايات التاريخية أن تتخذ شكلاً حسيًا. كيف يتأتى لنا الإتيان بسرد صادق عن الماضي نعلمه أولادنا. كيف نتفادى محو التاريخ المؤلم وخطر تكرار أخطائنا؟ كيف نبيّن تعاطفنا مع المجموعات المستبعدة؟ إنه يتبنى مهمة مفعمة بالأمل: ابتكار نسيج يوحد البشرية ويربط بين الماضي والحاضر.

أما في ما يخص المستقبل،  فإن أدجاي يطرح نظرة متفائلة إلى المدن، ومرحلة ما بعد جائحة كورونا، مستشهدًا بالتحسينات التي طرأت على المرافق الصحية في أعقاب انتشار أوبئة السل الرئوي، والتي طالت سلامة الأبنية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. يتصور أدجاي "أبنية مجهزة بأنظمة تهوية أفضل، وأنظمة بيئية أكثر تنوعًا" على ما يقول، بالإضافة إلى تحسين سبل استدراج أشعة الشمس إلى المساحات. يقول أدجاي: "يتحلى البشر بميزة حسنة تتمثل بالمقدرة على التطور. ما إن نواجه مشكلة حتى نتطور بما يتيح لنا التعامل معها. سيحسن ذلك من أوضاع الكثافة السكانية التي لا يمكننا تفاديها. سنشيّد أبنية أضخم. سنبني مدنًا أكبر وأفضل". يبتسم أدجاي مضيفًا: "سيتحقق ذلك. يمكنني الآن تصور ما ستؤول إليه الأمور."

 

مكتبة لوكبريدج/بيلفيو، العاصمة واشنطن.

Jeffrey Sauers
مكتبة لوكبريدج/بيلفيو، العاصمة واشنطن.