تصور أنّكَ تستخدم هاتفك الذكي بشكل مستمر، تُحمّله جميع ملفّاتك كبيرها وصغيرها قديمها وجديدها، يُرافقك في كل مكان وتنجز عليه أعقد المهام، لكنك لا تراعي تعليمات الشركة المصنعة الموصية بالعناية به..

نشتاق إلى ذلك الماضي ونضفي عليه صفة المثالية، ونستبعد منه لا شعورياً اللحظات السلبية والقاسية، علماً بأن أيامنا الراهنة قد تكون أكثر استقراراً وإنجازاً من ذاك الزمان، إلا أننا نستمتع بالعودة إليه وربما لو عاد حقاً لكرهناه، بمعنى أن الحنين إلى الماضي لا يرتبط بالضرورة بكون ما مضى جميلاً بالفعل.

أن تنعزل بنفسك عن الناس، مختارا أو مكرها، إنما هو ضرب من ضروب الترف أحيانا وقد اصطفيت لك حيزا يخصك من مكان أو زمان لا يزاحمك فيه كثير، ولا يشاركك فيه إلا من تشاء، وما تشاء، ومتى تشاء. فثمة مفازة للانعتاق، أو للتأمل، والتفكر، أو المناجاة، أو الهرب حتى من نفسك وهدير أفكارك التي لا يهدأ ضجيجها، وخططك التي لا تكلّ ولا تمل فيما يأتي وما لا يأتي، وفيما تستطيع أن تحسنه أو تبدعه أو تتقنه.

 استحضر فيروس كورونا، مع أذاه الذي بدأ أوله في الصين وانتشر من بعد في العالمين، أن العالم ما يزال يجمعه حس إنساني واحد، تأتلف فيه قلوب الناس وإن تباعدوا في البلدان، ويألم فيه بعضهم لبعض على ما أصابهم في شرق الدنيا أو في غربها. لم تكشف جائحة فيروس كورونا عن ضعفنا، ضعف العالم بأجمعه، عن مواجهة المخاطر التي انتشرت من ووهان، ولم تكد تنجو مدينة في العالم من أضرارها،

 كانت تحتشد على أوراقها الخطوط، والألوان، والحكايات القديمة، والكلمات المنثورة وغير المنثورة، والأسرار، والهموم، والأشواق، والأحلام، قصائد من موسيقا ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع. تحتشد كما ينبعث بريق الأزل في عينيها إذا ما داعبتها كلمة، أو هبت نسائم المعاني وتمايلت ورود خديها لهمسات السحر.

أما وقد نسجت مجلتنا، بعد مائة عدد وعدد، حلما ذا أفق رحب على ما نرجو، وعلت بأفكارها وموضوعاتها إلى فضاءات من التميز بذلنا فيها من الجهد أجمله لبلوغها، فهذا كان أكثره في مساحة يغلب عليها الرجال. قد يصدق ظن الظانين أن كثيرا مما تخوض فيه مجلتنا هذه لم ينحبس على اهتمامات القراء من الرجال وحدهم، أو تضيق فيها مساحة النساء.

يوم استفتحنا بذلك العنوان العدد الأول من مجلة روب ريبورت العربية لم يكن مرادنا توصيفا لعمل يقول لقرائه هاؤم اقرؤوا أول كتابِيهْ وليس في الكتاب إلا أول الخط وبدايات السطر. ولم يكن، على أي وجه يتأتى تدبره، تزكية لما يتعذر، بل لما يستنكر على الصحيح، تزكيته من أصحابه خاصة. إنما أردنا أن نستفتح بتبيان الهدف الذي يصبو فريقنا إلى تحقيقه،

 

اشترك بالنشرة الإخبارية

 

 

آخر الموضوعات