أن تنعزل بنفسك عن الناس، مختارا أو مكرها، إنما هو ضرب من ضروب الترف أحيانا وقد اصطفيت لك حيزا يخصك من مكان أو زمان لا يزاحمك فيه كثير، ولا يشاركك فيه إلا من تشاء، وما تشاء، ومتى تشاء. فثمة مفازة للانعتاق، أو للتأمل، والتفكر، أو المناجاة، أو الهرب حتى من نفسك وهدير أفكارك التي لا يهدأ ضجيجها، وخططك التي لا تكلّ ولا تمل فيما يأتي وما لا يأتي، وفيما تستطيع أن تحسنه أو تبدعه أو تتقنه.

 استحضر فيروس كورونا، مع أذاه الذي بدأ أوله في الصين وانتشر من بعد في العالمين، أن العالم ما يزال يجمعه حس إنساني واحد، تأتلف فيه قلوب الناس وإن تباعدوا في البلدان، ويألم فيه بعضهم لبعض على ما أصابهم في شرق الدنيا أو في غربها. لم تكشف جائحة فيروس كورونا عن ضعفنا، ضعف العالم بأجمعه، عن مواجهة المخاطر التي انتشرت من ووهان، ولم تكد تنجو مدينة في العالم من أضرارها،

 كانت تحتشد على أوراقها الخطوط، والألوان، والحكايات القديمة، والكلمات المنثورة وغير المنثورة، والأسرار، والهموم، والأشواق، والأحلام، قصائد من موسيقا ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع. تحتشد كما ينبعث بريق الأزل في عينيها إذا ما داعبتها كلمة، أو هبت نسائم المعاني وتمايلت ورود خديها لهمسات السحر.

أما وقد نسجت مجلتنا، بعد مائة عدد وعدد، حلما ذا أفق رحب على ما نرجو، وعلت بأفكارها وموضوعاتها إلى فضاءات من التميز بذلنا فيها من الجهد أجمله لبلوغها، فهذا كان أكثره في مساحة يغلب عليها الرجال. قد يصدق ظن الظانين أن كثيرا مما تخوض فيه مجلتنا هذه لم ينحبس على اهتمامات القراء من الرجال وحدهم، أو تضيق فيها مساحة النساء.

يوم استفتحنا بذلك العنوان العدد الأول من مجلة روب ريبورت العربية لم يكن مرادنا توصيفا لعمل يقول لقرائه هاؤم اقرؤوا أول كتابِيهْ وليس في الكتاب إلا أول الخط وبدايات السطر. ولم يكن، على أي وجه يتأتى تدبره، تزكية لما يتعذر، بل لما يستنكر على الصحيح، تزكيته من أصحابه خاصة. إنما أردنا أن نستفتح بتبيان الهدف الذي يصبو فريقنا إلى تحقيقه،

 هل من سبيل إلى أن يجتمع لشاعر، يستمطر عيني ربة شعره، شتات امرأة تفرق بوحها بين ليل تأنس إليه وحدتها من ضجيج النهارات وضوضاء المعاني، وتنسج في عتمته أحلامها؟ كانت تلقي في بحر الشغف قصائد يتردد موجها بين الشطآن، ويسمع صداها في نبض يتردد بين القلوب، إذ تنير بسنا معانيها الأسحار. وأجمل دأْبها أنها كانت تستخرج، 

كانت امرأة ممتدة الآفاق كاتساع البحر في عينيها، مثل خصب الأرض، تأبى أن يحبسها عشق، أو أن تسجن بين أول الكلام، وإن كان حبا، وخواتيمه، وإن كان شعرا من السحر، أو عطرا مستخلصا من أجمل زهر الأرض تختم معانيه إلا أن تستيقن ألا امرأة بعدها، فتستكين لانتهاء البوح، وأن يختم تاريخ العشق بها نقطة من عطر على السطر.

 

اشترك بالنشرة الإخبارية

 

 

آخر الموضوعات