يأتي ذلك الزمان الذي تضطرم فيه نار الشوق إليك، وتتوجب فيه الهجرة من برد الأرض إلى دفء سمائك وشمس عينيك التي لا تغيب.

 

يأتي في هذا الموسم، ككل المواسم، زمنُك الذي يجعل من الهجرة إليك إلفَ قلبٍ جرَّب في الشتاء الارتحالَ إليك وفي الصيف.

 

يأبى القطرُ، قطرُ السماء، إلا أن يبعث مع رائحة الأرض، أولَ ما تغتسل بماء الشتاء، تلك المساءاتِ التي كنت تراقصين فيها حباتِ المطر.

 

تأتين مع الثلج، ودفء الثلج، ولون الثلج، وبلابله المختبئة في وكناتها تتأمل أرضَ السماء، وسماءَ الأرض، من أولِ العشب إلى آخر السحاب.

 

تطير من فوق صباحاتي طيورُ العشق مهاجرة إليك، وتحط على أغصانك تتأمل في الفضاء أبعدَ ما في الفضاء، وفي الليل أجملَ أحلام الليل، وفي النهار أنسَ حكايات النهار حول المواقد، وخلف النوافذ الزجاجية التي تتسابق عليها خيوط الماء.

 

أفتح نوافذَ الروح لصَباك الذي تحمله بعضُ ابتسامات الشمس التي يطل على استحياء دفئُها وقد اختبأت خلف السحاب، فتتمايل الروحُ والنبضاتُ لعشق يصَّـعد كالحنين في السماء كما تتمايل للنسائم المتبخترة أوراقُ الشجر.

 

في الشتاء يتحدث الصمتُ إذ تعزف زخاتُ المطر ألحانَها على الأرض، والأسطحِ، وصفحاتِ الوجه الذي يأتيه المطرُ ببقايا عطرك المنثور في الفضاء.

 

وفي الشتاء تخرج أرضُ الصنوبرِ والبلوط والسنديان من غاباتها ذكرى ملاعبِ الطفولةِ، ومعاهد الصِّـبا الذي لا يشيخ وهو يركض جذلان وقد أسكرته عُصاراتُ المطر والصنوبر والأرض المشتاقة إلى زهر الربيع الموعود.

السفر إليك...

 

لك في الليالي، وفي كل ليلة طلوعٌ وميعادٌ، وفي النهارات، في كل النهارات، حضورٌ وموعدٌ، وفي كل حلم قصةٌ لا تنتهي، وفي كل فجر ينتظر شمسَه ابتساماتٌ كتغريد البلابل تغني لفرح جديد.

 

إنه مهرجان الفرح، والسفرُ إلى أبعد فضاءات عينيك، والغوصُ إلى أعماق أعماق اللؤلؤ المكنون في بحور الشعر وراسيات المعاني وموجات الأمل.

 

إنه الشتاء يعيد مرة أخرى، ككل شتاء، حكاياتِ المطر، وهجرةَ الطيور، ورحلات الشتاء. إنه الشتاء يضيء بزيته قناديل الشغف والعشق القديم.

 

إنه الصيف الذي تتلألأ بين نجومه ابتساماتك.

 

إنه الربيع المعشوشب في عينيك، وقد لوَّن الوجنات بزهور الشوق وفرح اللقاءات.

 

إنه الخريف يأتي على استحياء بأول الذكرى، ومقدمات التاريخ التي زرعت كالسنديان في أرض لا يعرفها النسيان.

 

إنه أولُ الليل، وآخر النهار، وإطلالة الفجر، وأحاديث الوجد في أول الغدو، وآخر الرواح...

 

إنه في كل المواسم طيفُك، وفي كل الأزمنة يحضر زمانُك محملاً بعبق العطر، وغَزَل الشعر، وقصص الحنين.

 

لا يُستعذب السفرُ، على أجنحة الشعر، إلا إليك. وأعظمُ مطالب الارتحال أن تحطَّ العصافيرُ على ابتسامات أنسك الدافئ.