عندما تستقل يختك الفاخر وترسو في محطة الوقود بالمستقبل القريب، قد يتعين عليك اتخاذ قرار صعب: هل تختار الشحن بالميثانول أم الوقود الحيوي أم الهيدروجين؟

هذه الصورة للمستقبل التي تبدو غريبة اليوم، قد تصبح جزءًا من واقعنا القريب، حينما يتعين على صانعي اليخوت التكيف مع الضغوط المتنامية، والالتزام بإطار زمني لاستبدال الوقود النظيف بأنواع الوقود الأحفوري التي تُستخدم بشكل شائع حاليًا، مثل الديزل والبنزين.

يتأكد ذلك بعد مطالبة المنظمة البحرية الدولية (IMO) والمفوضية الأوروبية بتخفيضات تصل إلى 40% في استخدام الوقود الأحفوري بحلول عام 2030. لا تقتصر الضغوط على ذلك فحسب، بل يواجه صانعو اليخوت أيضًا انتقادات متصاعدة من نشطاء حماية البيئة الذين لا يتوانون عن التحذير من انبعاثات كربونية عالية تنجم عن محركات الوقود الأحفوري المستخدمة في اليخوت الفاخرة.

ثلاثة خيارات

ولّدت هذه الضغوط حراكًا متسارعًا لدى القطاع الصناعي لتطوير محركات لليخوت تعمل بوقود صديق للبيئة. وتنشط في هذا المجال على نحو خاص شركات إيطالية وألمانية وهولندية وصينية.

تتركز جهود الشركات في ثلاثة خيارات هي: محركات خلايا الوقود الهيدروجيني مع اليخوت التي يقل طولها عن 79 قدمًا، ومحركات الميثانول الأخضر المحوّل إلى هيدروجين لليخوت الأكبر حجمًا، ومولدات الديزل الهجينة من حيث كونها حلاً مؤقتًا للفئتين. والجدير بالذكر هو أن مولدات الديزل الهجينة تستخدم الزيوت النباتية المهدرجة (HVO)، التي تنبعث منها معدلات كربون تقل بنحو 90% مقارنة بالديزل، والتي يمكن استخدامها في المحركات التقليدية. 

خلايا الوقود الهيدروجيني

أحدث كأس أمريكا للزوارق دفعة في جهود الحد من انبعاثات الكربون، إذ إنه بات يضع لوائح صارمة للزوارق المشاركة، من ضمنها العمل بالوقود النظيف. في المرحلة التمهيدية لهذه الكأس بنسختها رقم 37، التي استضافها نادي اليخوت بمدينة جدة السعودية بين يومي 30 نوفمبر و2 ديسمبر 2023، شاركت قوارب سريعة عالية التقنية تعمل بالطاقة المستدامة. 

زورق HV3

American Magic

وكان أبرز هذه القوارب زورق Chase Zero، الذي يقوده فريق "طيران الإمارات" (ممثل نيوزيلندا)، والذي حل في المرتبة الأولى خلال المنافسات. اعتُمدت أيضًا الطاقة المستدامة في زورق HV3 لفريق "أمريكان ماجيك" (ممثل الولايات المتحدة)، الذي صنعته علامة Bluegame، التابعة لشركة سان لورينزو Sanlorenzo الإيطالية، والذي ظهر بأداء لافت رغم عدم تحقيقه الفوز.

يعتمد كلا الزورقين على خلايا وقود غشاء تبادل البروتونات، وهي تقنية تحوّل الطاقة الكيميائية المتحررة في أثناء التفاعل الكهروكيميائي للهيدروجين والأكسجين إلى طاقة كهربائية. إنها التقنية نفسها المستخدمة في سيارة تويوتا ميراي الكهربائية، وهي توفر للزوارق سرعة قصوى تبلغ 50 عقدة، وحمولة تصل إلى 550 رطلاً، ومدى سفر يساوي 180 ميلاً بحريًا عند الإبحار بسرعة 27 عقدة.

لكن استخدام خلايا وقود غشاء تبادل البروتونات لا يزال محدودًا في المركبات البحرية. ويعتقد خبراء الصناعة أن رواج تلك التقنية مرهون بعوامل عدة، أهمها مدى سرعة تطورها في سوق السيارات. إذا مضت الأمور بسرعة في قطاع السيارات، وتوفرت البنية التحتية اللازمة في المرافئ، فإن السنوات الخمس المقبلة قد تشهد توسعًا في استخدام هذه التقنية للسفر بحرًا.

في الوقت الراهن، لدى شركة سان لورينزو عقد تلتزم بموجبه بتسليم يخت بطول 165 قدمًا يعتمد على تقنية خلايا وقود غشاء تبادل البروتونات بحلول عام 2024، مع تسليم يخت آخر ثنائي الوقود (ميثانول وديزل) قبل عام 2030. وتشمل خطط الشركة في مرحلتها الثانية إنتاج خلايا وقود أكثر قوة.

وكانت شركة سينوت Sinot الهولندية من أوائل الشركات التي تبنت هذه التقنية. ففي عام 2019، كشف الشركة عن "أكوا" Aqua، أول يخت فاخر يدعم تكنولوجيا خلايا الوقود ويعمل بالهيدروجين السائل. يبلغ طول اليخت 112 مترًا، وبمقدوره بلوغ سرعة قصوى تصل إلى 17 عقدة، ضمن مسافة 3750 ميلاً بحريًا.

وقود الميثانول

وقود الميثانول هو الخيار الثاني الذي تعمل عليه بعض الشركات من أجل تقديم يخوت صديقة للبيئة.

في هذا الصدد، تُجري شركة لارسن Lürssen الألمانية لصناعة السفن تجارب لتطوير وقود نظيف منذ عام 2005. وتأمل الشركة أن يكون مشروعها Cosmos، وهو يخت بطول 375 قدمًا يعمل بالميثانول، مفتاح التغيير في هذا المجال. 

يخت Cosmos

Lürssen

في إطار مشروع اليخت المقرر تسليمه لمالكه عام 2025، أقامت لارسن مختبرًا في حوض السفن بالتعاون مع شركة فريدينبيرغ Freudenberg الألمانية، وهي شركة متخصصة في خلايا وقود المركبات البحرية، لاختبار خلية الوقود التي تعمل بالميثانول. إذا نجح مشروع Cosmos، فقد يُقنع العملاء الآخرين بأن الميثانول هو الخطوة الأولى نحو يخت فاخر خالٍ من الانبعاثات الكربونية.

أما مجموعة فيريتي الإيطالية لتصنيع اليخوت Ferretti Group، فَصممت هياكل محركات متنوعة تناسب حجمين مختلفين من اليخوت الفاخرة التي ستعمل بالميثانول، وذلك بالتعاون مع شركة ويتشاي باور ساينس Weichai Power Science التي تعمل في مجال تصنيع محركات الديزل والمحركات البحرية.

إضافة إلى أن هذه المحركات أكثر تعقيدًا من مثيلاتها التي تعمل بالديزل، فإن تصميمها يتطلب مساحات لاستيعاب خزانات وقود الميثانول. ويمثّل هذا المقتضى أحد أهم التحديات التي تواجه المطوّرين الذين تتركز جهودهم حول هدف رئيس هو تقليل تأثير مساحة خزانات الوقود على المساحات الداخلية المخصصة عادةً للترفيه أو الإقامة على متن اليخوت. فأصحاب اليخوت غير مستعدين بالطبع للتخلي مقصورة نوم أو قاعة سينما من أجل توفير مساحة لتخزين الوقود. 

في هذا الإطار، أطلقت شركة لاتيرال البريطانية للهندسة البحرية Lateral Naval Architects منصتها للانتقال في مجال الطاقة، وهو مفهوم يحافظ بشكل تقريبي على المساحة الداخلية لليخوت، مع تجهيزها بتقنيات الدفع الجديدة عندما تصبح متاحة. فالشركة ترى أن الانتقال لتقنيات الطاقة النظيفة مسألة وقت، وأن استخدام الديزل سيندثر مع التطورات الجديدة والتشريعات المستقبلية لانبعاثات العادم.

يخت ماجيلانو

Azimut-Benetti Group

الوقود الحيوي خيار جيد 

شركات أخرى ترى أن الوقود الحيوي، مثل الزيوت النباتية المهدرجة (HVO)، خيار جيد على المدى المتوسط. فهو يمكن أن يسهم في الاقتراب من تحقيق الهدف المنشود لخفض انبعاثات الكربون، إلى حين تطور تكنولوجيا خلايا الوقود البديلة الذي قد يتطلب نحو عقد من الزمان. 

ومن الشركات التي تتبنى هذه الرؤية مجموعة أزيموت-بينيتي الإيطالية Azimut-Benetti Group، الشهيرة ببناء اليخوت الفارهة. فقد أجرت المجموعة دراسات خلال الأعوام الماضية لاختيار أفضل وقود بديل واقعي يمكن استخدامه للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وشملت دراستها الوقود الحيوي والميثانول والهيدروجين. 

وخلصت أزيموت-بينيتي إلى أنه لا يمكن استخدام الميثانول في المدى القريب بسبب القضايا الحرجة المتعلقة بالإنتاج والتوزيع، لكنه يمكن أن يكون بديلاً واعدًا على المدى البعيد. أما الهيدروجين، فيعد بديلاً بعيدًا جدًا نظرًا لصعوبة تخزينه على متن اليخوت وبسبب الإدارة الآمنة له، ومن ثم تبنت حل الوقود الحيوي الذي لا يستدعي أي تعديل على المحركات، ولا يشكل تهديدًا في ما يخص السلامة.

أطلقت المجموعة أول يخت هجين يعمل بالكهرباء إلى جانب الديزل عام 2006. كما دشنت سلسلتها من فئة اليخوت ذات الانبعاثات المنخفضة، التي يراوح طولها بين 15 و40 مترًا عام 2015، وذلك قبل أن تكشف، خلال عام 2023، عن يختها "ماجيلانو 60" Magellano 60، وهو أول يخت من إنتاجها يعمل بالوقود الحيوي لخفض الانبعاثات بنسبة 80 في المئة مقارنة بما هو عليه حال اليخوت التي تستخدم الديزل.