لا شك أن دار الأزياء الفرنسية شانيل تركت انطباعًا جريئًا ودائمًا في عالم الأزياء. فمنذ بدايات شانيل المتواضعة التي انطلقت في شارع باريسي أوائل القرن العشرين، تطورت الدار لتصبح واحدة من العلامات التجارية الفاخرة الرائدة في العالم. ولكن ما يراه عشاق الدار من إبداعاتها الحالية ومتاجرها التي تتناثر في كبرى عواصم العالم يُخفي وراءه جانبًا من المعاناة وتحين الفرص وحماس البدايات الذي رافق مؤسستها كوكو شانيل التي تعد بلا منازع بطلة قصة ارتقاء هذه الدار إلى مجد لا ينقضي.

ولدت غابرييل بونور "كوكو" شانيل في عام 1883، وتعلمت على يد أقاربها أصول مهنة الخياطة. واصلت كوكو التطور لتصبح واحدة من عظماء عالم الموضة الحقيقيين في التاريخ. لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أن شانيل كانت لمدة من الوقت، قبل الانتقال إلى عالم الموضة الذي أبلت فيه بلاءً حسنًا، مغنية في المقاهي الفرنسية.

انطلاقة كوكو شانيل

كانت تجربة شانيل الأولى في عالم الأزياء سنة 1909 حين أنشأت مصنع قبعات تحت اسم "بيت شانيل". وجهت كوكو هدفها آنذاك إلى الشابات اليافعات المهتمات بالأزياء من النخبة الفرنسية، وسرعان ما اكتسبت الدار شهرة بقبعاتها الرائعة والمزينة بشكل جميل، ما جذب انتباه شخص اجتماعي مهم في مسيرة الدار هو لاعب البولو الإنكليزي آرثر "بوي" كابيل.

موّل كابيل أول متجر مستقل لكوكو شانيل في عام 1910، واقتصر الأمر على القبعات أيضا قبل أن يتطور في عام 1913 حين افتتحت كوكو بنفسها متجرين في دوفيل وبياريتز، وهنا ضمت إلى عملها ملابس جاهزة للسيدات. وكانت تلك بدايات ظهور الأزياء الفاخرة بشكلها الحديث في تاريخ كوكو شانيل.

عبر تصميمات رائعة حرصت فيها على كسر رتابة التكرار، وبالتعاون مع مجموعة من ألمع المصممين في فرنسا، استحدثت شانيل طرقا جديدة للتعبير عن نفسها من خلال تصميمات الأزياء الملهمة. وصفت نفسها في تلك الحقبة قائلة: "لقد عملت بشكل يشبه المعجزات في الموضة وفقًا لقواعد تنتمي لعالم الرسامين والموسيقيين والشعراء."

أدى هذا الدافع الهائل والموهبة الفائقة إلى ابتكار أربعة تصاميم كلاسيكية خالدة من شانيل، مثلت تطورات بني عليها مستقبل الدار حتى وقتنا الحالي: الأول تمثل في الفستان الأسود الصغير متعدد الاستخدامات، والثاني هو سترة الكارديغان، والثالث هو العطر رقم 5 من شانيل، فيما الرابع يتمثل بالتصميم الكلاسيكي لبدلة شانيل التي تحولت إلى جزء راسخ في إرث الدار.

إبداع من وحي الحرب

مثّل اندلاع الحرب العالمية الأولى متغيرًا اقتصاديًا بالغ الأهمية أرخى سدوله على الموضة الأوروبية مثل أي صناعة أخرى. فمع تجنيد الرجال، وقع على عاتق النساء العمل في المصانع وشغل الوظائف التي تُركت شاغرة، ومن ثم باتت الملابس النسائية تميل إلى الطابع العملي الذي يتيح للمرأة الحرية المطلوبة للتناغم مع واقع الحرب الجديد.

شهدت هذه الفترة تحديا مهمًا لشانيل. ففي ظل مشكلة نقص الأقمشة في فرنسا خلال الحرب، استغلت كوكو الواقع المستجد لابتكار ما تود تصميمه فحسب دون التقيد بآلية لعمل خطوط إنتاج مبالغ بها في ظروف كتلك.

نتيجة لذلك المنظور ومع ظروف الحرب القاسية، تمكنت كوكو من افتتاح متجر ملابس أكبر في شارع كامبون بالقرب من فندق الريتز الشهير في باريس. أثرت الحرب أيضًا على التصاميم التي استُمد كثير منها في ذلك الوقت من الزي العسكري، الأكثر شهرة وطلباً في جميع أنحاء فرنسا.

في ذلك الوقت أيضًا، طورت شانيل إبداعاتها من السترات والتنانير المصنوعة من الكتان، والبدلات بمختلف أنواعها، واستخدمت الألوان الرجالية مثل الرمادي والأزرق الداكن لإبراز جرأة شخصية ملابسها، حتى أنها قدمت سراويل للنساء، وهو ما كان خطوة جريئة للغاية في ذلك الوقت.

بحلول بداية العشرينيات من القرن العشرين، كانت الملابس التي تصنعها دار شانيل بمعظمها تقريبًا تتميز بنسيجها المبطن ولمساتها النهائية المشغولة من الجلد، وباتت تلك سمة شانيل في عالم الملابس الأنيقة التي تحافظ على شكلها ووظيفتها في أثناء ارتدائها.

آمنت كوكو شانيل، طيلة فترة ريادتها للدار، بأن البساطة هي المفتاح الرئيس للأناقة الحقيقية. في عام 1924، برهنت على ذلك بدخولها عالم الجواهر بتصميمات بسيطة لكنها لاقت قبولاً وشهرة على نطاق واسع، وكانت البداية بزوج من الأقراط المصنوعة من اللؤلؤ، أحدهما أسود والآخر أبيض. وقد عُرف عن المؤسسة الأولى للدار شغفها باللؤلؤ الذي كانت تحرص على أن تزيّن جيدها بصفوف منه.

تجلت في أعقاب ذلك الفساتين الأنيقة الممهورة بتوقيع شانيل التي قدمتها في قصّات متناسقة بديعة وأدخلت في حياكتها مواد فاخرة تقليدية مثل الدانتيل والحرير الناعم الخفيف الوزن.

عطر عصي على النسيان

جسّد عطر شانيل رقم 5 تفوق الدار ومؤسسته في اقتحام عالم العطور من خلال ابتكار استُلهم اسمه من رقم الحظ الخاص بالآنسة كوكو. أبصرت فكرة العطر النور حينما كلفت كوكو صانع العطور إرنيست باو بابتكار عطر يكمل بدلاتها وتعبئته في قوارير ذات تصميم فني خلاب.

لاقى العطر نجاحًا هائلا حتى اضطرت الدار إلى بيعه بوصفه منتجًا مستقلاً، بل كان نواة لإنشاء قسم "عطور شانيل" المستقل بالشراكة مع رجلي أعمال فرنسيين آخرين.

طرقت غابرييل شانيل الأبواب كلها بنجاح، واقتحمت عوالم الإبداع من أكثر من نافذة. كل شيء بدأ برغبة الآنسة كوكو في التطور، وحس ابتكار بُنيت عليه أمجاد دار ما فتئت تواصل اليوم مسيرتها الإبداعية دون التنكر لإرث المؤسسة الأولى.