لا تشبه تجربة الطعام في مطعم كراسوتا Krasota أي شيء آخر. فهذه الوجهة، التي أطلقتها مطلع هذا العام شركة مطاعم White Rabbit Family في فندق العنوان داون تاون بدبي، تتجاوز حدود إمتاع الذائقة بأطايب فن الطعام الراقي لتستدرج الضيوف إلى الانغماس في تفاصيل مفهوم تقدمي مبتكر يستأثر بالحواس كلها.

في زيارتنا الأخيرة إلى كراسوتا، كان يصعب توقّع ما تعد به التجربة الافتتاحية للمطعم والتي انطلقت تحت عنوان "الفن التخيّلي" أو The Imaginary Art.

فبالرغم من أن المحطة الأولى في التجربة تبدو أقرب إلى فسحة مطعم تقليدي (اختبرنا فيها لقيمات من البطيخ وأوراق العنب، وشطائر محشوة بالجبن ومقدّمة مع البازلا الخضراء والكافيار، وكبد الإوز مع الكستناء والكمأة السوداء)، إلا أن جوهر المفهوم الريادي الذي تمخضت عنه موهبة الطاهي فلاديمير موخين الحائز جوائز عالمية، والمخرج السينمائي والمؤسس المشارك أنطون نيناشيف، يتكشّف داخل قاعة هي أقرب إلى مسرح يليق بعرض درامي مبهر.

ففيما تتوسّط القاعة طاولة دائرية ضخمة تتسع لمجلس 20 ضيفًا، تتعاقب على الجدران المنحنية التي تلتف من حولها، وفوق سطح المائدة، لوحات تفاعلية وإسقاطات ثلاثية الأبعاد تُعرض بالاعتماد على تقنية الذكاء الاصطناعي.

طبق سمك القد وشرائح البرقوق المستلهمة من لوحة "الموجة التاسعة" لإيفان إيفازوفكسي.

Krasota
طبق سمك القد وشرائح البرقوق المستلهمة من لوحة "الموجة التاسعة" لإيفان إيفازوفكسي.


في تجربة "الفن التخيلي"، أتقن موخين ونيناشيف فنّ إبهارنا عبر تبديد الفواصل بين الفنون التشكيلية وفن الطعام لنتحوّل إلى شاهدين على حكايات إبداع تُروى بالتزامن في ترجمة رقمية وأخرى ذوقية لابتكارات ثمانية فنانين تشكيليين عالميين من أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

ترتحل بنا الحكاية الأولى إلى عالم الاتحاد السوفياتي على صهوة نسخة متحركة من أعمال الرسام الروسي الحداثي ألكسندر دينيكا، وفي طليعتها لوحته الشهيرة The Future of Pilots التي تصوّر ثلاثة صبية يجلسون على حافة جرف مشيرين إلى الطائرات المحلقة فوق البحر.

وقد أعاد موخين تشكيل براءة الأطفال داخل زبدية زجاجية في تصميم على نسق زهرة صيغت من قطع الساشيمي وشرائح الدرّاق التي تخلّف في الفم طعمًا منعشًا.

وفيما نستكشف في الجولة الثانية المذاق المتوازن لطبق من التونا وثمار الكشمش الأحمر ونغوص في محطات من مسيرة كوزما بيتروف – فودكين الفنية، التي تشي بها في العرض الجداري أعمال مثل Bathing the Red Horse (استحمام الحصان الأحمر) وفوق المائدة حبات من الليمون الأصفر (تتدحرج استجابة لحركة أيدينا) في إيحاء إلى لوحته الشهيرة Glass and Lemon (زجاج وليمون حامض)، نختبر تاليًا براعة موخين في إعادة إحياء قصة التاجر سادكو في أعماق البحر (التي صوّرها إيليا ريبين، أحد أعظم الرسامين في التيار الروسي الواقعي، في لوحته Sadko) في طبق من الإسقلوب والهليون تستسيغ ذائقتنا طراوته فيما أنظارنا تتعقب أسماكًا ملونة ومختلفة الأحجام تسبح فوق سطح المائدة.

ترجمة مبتكرة لأعمال إيليا ريبين في طبق الإسقلوب والهليون.

Krasota
ترجمة مبتكرة لأعمال إيليا ريبين في طبق الإسقلوب والهليون.


في الفصل الرابع من تجربة آسرة لا نتعجل انتهاءها، تتحوّل أعمال ميخائيل فروبل - الذي أضفى بعدًا أسطوريًا على الفن الحديث، من لوحة The Seated Demon (جلوس الشياطين) إلى The Swan Princess (الأميرة البجعة) - إلى مكعب ثلجي ذي ملمس ساخن للمفارقة، وازن فيه موخين المذاق القوي للحم السلطعون بطعم اللوز المقرمش وصلصة رغوية من الليمون الأسود.

وفيما ينبعث مفهوم الأحلام المتخيلة في لوحات مارك شاغال، لا سيّما عمله الشهير Over Vitebsk (فوق المدينة)، في حبة من البطاطس المشوية ولحم قنفذ البحر والكافيار، يبدي الحاضرون كافة استحسانهم لعبقرية موخين في استنساخ ضربات فرشاة الرسام نيكولاس رويريتش وبراعته في تصوير الضوء في لوحة "هيمالايا" في طبق الخرشوف بالكاري.

هذه العبقرية نفسها تحضر أيضًا في طبق سابع استُلهم من مشهد العاصفة عبر المضائق النرويجية في لوحة The Ninth Wave (الموجة السابعة) لإيفان إيفازوفكسي. فهنا شرائح رقيقة من البرقوق تحاكي حركة الأمواج، فيما تمازج طعمها الحلو مع المذاق المالح لسمك القد يستحضر التباين بين الهدوء والعاصفة.

يستلهم طبق الخرشوف بالكاري لوحة نيكولاس رويريتش "هيمالايا".

Krasota
يستلهم طبق الخرشوف بالكاري لوحة نيكولاس رويريتش "هيمالايا".


أما ختام التجربة، فقطعة مربعة من حلوى تشيز كيك بثمار اليوزو والمانغو تتراقص أشعة الضوء المتغيرة فوق سطحها ناصع البياض لتذكّر بالتشكلات الهندسية والألوان الأساسية المميزة لإبداعات كازيمير ماليفيتش.

هي ثماني حكايات نختبر تفاصيلها بكثير من الفضول والانبهار، متأهبين في كل فصل لأسرار مقاربات فنية يكشف عن غموضها نادل لا يبدو متمرسًا على فن الضيافة فحسب، بل خبيرًا أيضًا في مجال الفن وسيرة عظماء الفنانين ونتائج المزادات على أعمالهم.

وإن كانت معارفه تشكل عنصرًا رئيسًا في معادلة الإتقان التي نختبرها في كراسوتا (الذي يتيح هذه التجربة في عرضين مسائيين)، فإن أكثر ما يستحق الثناء في هذه المعادلة هو الملكة الإبداعية لموخين الذي نجح في الإتيان بابتكارات لا يطغى فيها استنساخ الفنون الجميلة على جوهر فن الطعام الذي يمتع الذائقة.

إنها بحق وليمة فنية تتكامل أركانها بتوازن متقن في سياق "تجربة غامرة تستحوذ على حواسك كلها فيما تزاوج بين الفن المرئي، وفن الطعام، والتصميم الداخلي، لتنقل الضيوف إلى عالم آخر" على ما يقول بوريس زاركوف، مبتكر هذا المشروع ومؤسسة مطاعم White Rabbit Family.