منذ إطلاق أسبوع الساعات في دبي للمرة الأولى في عام 2015 ببادرة من أحمد صديقي وأولاده، تكرّس هذا الحدث، الذي يُنظم مرّتين كل عام، على جدول أعمال الدور الناشطة في هذا القطاع، والصنّاع المستقلين، وكبار الجامعين وغيرهم من الهواة المولعين بأسرار صناعة يواظب أهل الاختصاص فيها على الدفع بحدود الممكن من دون التنكّر لتقاليد حرفية متجذرة في أرض هذا الفن. 

وفيما عاد أسبوع الساعات في دبي هذا العام في دورة سادسة، نُظمت أنشطتها من السادس عشر إلى العشرين من شهر نوفمبر الفائت من حول البوّابة "ذا غايت" (The Gate) بمركز دبي المالي العالمي، أثبت مرة أخرى أن القيّمين عليه لا يألون جهدًا للارتقاء به في كل دورة بما يتناسب مع المكانة العالمية التي بات يحتلها.

وفي هذا قالت هند صديقي، المدير العام لأسبوع الساعات في دبي: "إن هذه المنصة ليست معرضًا للساعات فحسب. بل إنها حركة عالمية تسهم في بناء إرثنا من خلال صناعة الساعات الفاخرة. وفي ظل تبدّل الأفكار وتطور هذه الصناعة، يتمثّل هدفنا في هذه الدورة بتعزيز العنصر التجريبي بموازاة التركيز على سرد القصص بما يضمن توسيع نطاق جمهورنا واستقطاب عدد أكبر من الأفراد في مجتمع الساعات". 

في صالة المعرض، حرص العديد من الدور والصنّاع المستقلين على استعراض روائع ابتكارات تحتفي بالوقت.

Dubai Watch Week
في صالة المعرض، حرص العديد من الدور والصنّاع المستقلين على استعراض روائع ابتكارات تحتفي بالوقت.

إبداع لا ينضب 

في الدورة السادسة من أسبوع الساعات في دبي، الذي أفردت له مساحة تزيد على 100 ألف قدم مربعة، اجتمعت أكثر من 55 علامة ناشطة في القطاع، بعضها استعرض مجموعة من روائع ابتكاراتها تحت قبة صالة المعرض، على ما كان عليه حال دور مثل إتش موزر أند سي، وكارل إف بوخرير، وآرمن ستورم، ودي بيتون، وغروبل فورسيه، وإف بي جورن، وجاكوب أند كو، وديور للساعات، ولويس فيتون (التي أضاء جناحها أيضًا على إبداعات علامتي جيرالد جنتا ودانيال روث اللتين أعيد إحياؤهما تحت مظلة مصنع La Fabrique du Temps). 

ساعات بريتلينغ في صالة المعرض بأسبوع دبي للساعات.

Dubai Watch Week
ساعات بريتلينغ في صالة المعرض بأسبوع دبي للساعات.


وقد شكل هذا المعرض فرصة أمام العديد من الصنّاع للكشف عن إصدارات جديدة، وفي مقدمتهم دار بوفيه التي أطلقت بمناسبة أسبوع الساعات في دبي إصدارًا حصريًا لأحمد صديقي وأولاده، تمثّل بساعة BOVET 1822 Recital 15 Meteorite التي تتباهى بميناء مشغول بالكامل من حجر نيزكي، ودار بريتلينغ التي طرحت إصدارين جديدين من طراز Chronomat Automatic GMT 40 مخصصين لسوق الإمارات العربية المتحدة ويستعرضان عبر الميناء أرقامًا هندية. 

تحت عنوان Seeking Beyond، معرض أوديمار بيغيه استكشف دأبها على المضي قدمًا نحو آفاق جديدة.

Audemars Piguet © Ales Vyslouzil Photography
تحت عنوان Seeking Beyond، معرض أوديمار بيغيه استكشف دأبها على المضي قدمًا نحو آفاق جديدة.


أما علامة إم بي أند إف، فكشف مؤسسها ماكسيمليان بوسير عن مأثرة هندسية جديدة تكرّس مرة أخرى تفوّقه في هزّ قواعد المألوف. ففي ساعة MB&F Horological Machine No11 ‘Architect’ محدودة الإصدار، بنى بوسير للوقت منزلاً يستلهم الهندسة المعمارية للبيوت في ستينيات القرن الفائت، ووزّع عبر جنباته أربع حجرات يمكن "الدخول إليها" عبر تدوير الهيكل المتحرك، ولكل منها وظيفة محددة: غرفة الزمن لمعرفة الوقت المنقضي بالساعات والدقائق، وغرفة مؤشر احتياطي الطاقة الذي يدوم 96 ساعة، وغرفة لمقياس الحرارة، فضلاً عن غرفة بمساحة فارغة لوظيفة تاج ضبط الوقت. أما قلب البيت، فتدور فيه آلية توربيون محلق. 

شملت قاعة المعرض أيضًا قسمًا مخصصًا لاستعراض تلك الإبداعات التي فازت أخيرًا بجوائز أوسكار الساعات، ومنها ساعة Code 11.59 by Audemars Piguet Ultra-Complication Universelle RD#4 من أوديمار بيغيه، وساعة Grand Soir Automate Etoile de Monsieur Dior من ديور، وساعة Altiplano Métiers d'Art – Undulata من بياجيه. 

براعة هندسية متفرّدة يجسّدها التصميم المبتكر لساعة MB&F Horological Machine No11 ‘Architect’.

MB&F
براعة هندسية متفرّدة يجسّدها التصميم المبتكر لساعة MB&F Horological Machine No11 ‘Architect’.

حكايات تُروى 

على أن الكشف عن ساعات جديدة شكل، في الأجنحة المستقلة التي بنتها دور أخرى في محيط صالة المعرض، محطة في فضاء يتيح للزائرين الانغماس في مسيرة الدار الإبداعية واستكشاف مقاربتها لفن صناعة الساعات. هذا ما كان عليه مثلاً حال دار شوبارد التي أتاحت الفرصة لتعرّف إرثها من خلال عرض تاريخي لساعات L.U.C منذ الإصدار الأول الذي أبصر النور قبل نحو 25 عامًا، والذي أعاد الصانع إحياءه هذا العام بنسخة L.U.C 1860 المشغولة هذه المرة في علبة من مركب الفولاذ Lucent Steel يكمّلها ميناء بلون السلمون تثريه زخارف غيوشيه.

وفي تجسيد لدرايتها في عالم الساعات الرنّانة، استعرضت شوبارد أيضًا ساعة L.U.C Strike One التي يُعزف فيها إيقاع الوقت كل ساعة بوساطة نظام جرسي صيغ من كتلة واحدة من الكريستال الياقوتي. 

ضمن مجموعة Alpine Eagle Summit الجديدة من شوبارد، ساعة في علبة من الذهب الخُلقي يكمّلها قرص مرصع بالياقوت وميناء بلون "الذروة الذهبية".

Chopard
ضمن مجموعة Alpine Eagle Summit الجديدة من شوبارد، ساعة في علبة من الذهب الخُلقي يكمّلها قرص مرصع بالياقوت وميناء بلون "الذروة الذهبية".


وفي الجناح، الذي احتضن غرفة معتمة لتجربة حسية تفاعلية تخال معها أنك تقف داخل تفاصيل معيار حركي، استكشف الزائرون أيضًا إصدارات أثرت بها شوبارد مجموعة Alpine Eagle رياضية الطابع. وكان الجديد في ساعات Alpine Eagle Summit الأربع، المشغولة في علب من الذهب الخُلقي بقطر 41 ملليمترًا، هو الترصيع البديع للأقراص بأحجار كريمة بألوان متدرّجة تزيّن تموّجاتها أيضًا الموانئ التي تستنسخ فتنة المناظر الطبيعية في أعالي جبال الألب. 

ساعة Freak One OPS من أوليس ناردين، صيغت في علبة من التيتانيوم المصقول بمادة DLC.

Ulysse Nardin
ساعة Freak One OPS من أوليس ناردين، صيغت في علبة من التيتانيوم المصقول بمادة DLC.


حكت دار أوليس ناردين أيضًا قصة مأثرتها الشهيرة Freak في رحاب جناح صُمّم على نسق الساعة نفسها، وعُرضت فيه مختلف إصدارات هذا الخط، بداية من الطراز الأول الذي أبصر النور عام 2001، ووصولاً إلى الإصدار الأحدث Freak One OPS الذي صيغ في علبة بقطر 44 ملليمترًا مشغولة من التيتانيوم المصقول بمادة DLC وتتمايز بتفاصيلها زيتية اللون.  

كما اتخذت جيرار – بيريغو من جناحها الخاص، الذي قدّم في جانب منه تجربة قيادة افتراضية، منصة للكشف عن ساعتها الجديدة Neo Bridges Aston Martin Edition التي شهد ابتكارها مشاركة فاعلة من علامة أستون مارتن لإعادة تصوّر "الجسر" في طراز يستلهم سيارة DB12.

ساعات وجواهر تستلهم مفاتن الطبيعة الآسرة في جناح فان كليف أند آربلز الذي يستنسخ مشهدًا باريسيًا شاعريًا.

Van Cleef & Arpels © Patrick Sawaya
ساعات وجواهر تستلهم مفاتن الطبيعة الآسرة في جناح فان كليف أند آربلز الذي يستنسخ مشهدًا باريسيًا شاعريًا.


وفيما أطلقت دار هوبلو للمناسبة إصدارين خاصين تحت اسم Classic Fusion Black Magic Dubai Watch Week تعاونت في ابتكارهما مع فنان الخط الشهير وسام شوكت للإتيان بتصميم يحتفي بالثقافة العربية، أتاحت لزوّار جناحها اختبار فن الانصهار الراسخ في فلسفتها الإبداعية من خلال تجربة تفاعلية. وكانت رولكس حاضرة أيضًا لسرد حكاية لا تنفك تستأثر بقلوب الهواة، والحديث هنا عن معرضها "في الطريق إلى دايتونا: اللقاء مع الأسطورة". 

أما الحكاية الأكثر شاعرية، فترددت أصداؤها في جناح مهيب لدار فان كليف أند آربلز التي وثّقت أول مشاركة لها في أسبوع الساعات في دبي داخل واحة ترتحل بك تفاصيلها التصميمية إلى مشهد باريسي بامتياز. ففي بيئة استنسخت الدار على مساحتها الفتنة الآسرة للعاصمة الفرنسية، توزّعت، إلى جانب فرائد الجواهر، روائع ساعات تستحضر شاعرية الوقت في خمسة عوالم وثيقة الارتباط بالإرث الإبداعي لفان كليف أند آربلز هي: الأزياء الراقية، وقصص الحب، والجنيات، وراقصات الباليه، والطبيعة الآسرة، فضلاً عن عالم الفلك. وفي كل محطة، كانت الدار تجسّد بابتكاراتها أوجه التآزر بين صناعة الساعات، وعالمي التصميم والأزياء، والفنون.  

ميناء يحتفي بالثقافة العربية في ساعة Classic Fusion Black Magic Dubai Watch Week من هوبلو.

Hublot
ميناء يحتفي بالثقافة العربية في ساعة Classic Fusion Black Magic Dubai Watch Week من هوبلو.

جلسات حوار وصفوف تعليمية 

على أن ما يحققه أسبوع الساعات في دبي في كل دورة لم يعد ينحصر في استحداث فضاء لاستكشاف ما يتمخض عنه حس الابتكار المميز للدور العريقة والصنّاع المستقلين. بل إن هذا الحدث تكرّس منصة لاستشراف مستقبل صناعة الساعات، وتبادل الأفكار الملهمة وتشارك الخبرات، على ما شهدت هذا العام في منتدى الساعات تسع جلسات حوارية مختلفة تمايزت بثراء محتواها ومشاركة قادة موثوقين في هذا القطاع، وحرفيين متمرّسين، وجامعين متبصّرين غاصوا في تفاصيل مواضيع راهنة في عالم الساعات، منها خدمة ما بعد البيع في ظل طفرة الذكاء الاصطناعي والنقص في المواهب وارتفاع التكاليف، وموضوع التحديات التي تواجه الصنّاع المستقلين وسبل حمايتهم من عمليات استحواذ قد تهدد هوية علاماتهم.

جلسة حوارية في منتدى الساعات ناقشت الحفاظ على ثقة الزبائن، وشارك فيها (من اليمين) الصحافي روبن سويثنبانك، ومحمد عبد المجيد صديقي، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في مجموعة صديقي، وكارل – فريدريك شوفوليه، الرئيس المشارك في دار شوبارد، وباتريك شلهوب، رئيس مجموعة شلهوب.

Dubai Watch Week © Oscar Cablao Jr
جلسة حوارية في منتدى الساعات ناقشت الحفاظ على ثقة الزبائن، وشارك فيها (من اليمين) الصحافي روبن سويثنبانك، ومحمد عبد المجيد صديقي، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في مجموعة صديقي، وكارل – فريدريك شوفوليه، الرئيس المشارك في دار شوبارد، وباتريك شلهوب، رئيس مجموعة شلهوب.


ناقش منتدى الساعات أيضًا أفكارًا مثل الدوافع النفسية المختلفة لهواة الجمع وما يسعون إلى تحقيقه، والصعوبات التي تعترض تجّار البيع بالتجزئة للحفاظ على ثقة الزبائن المتعطشين للطُرز نفسها في ظل النقص في عدد الساعات المتاحة.  
أما المنصة الإبداعية التي استكشفت عبر عشر جلسات مختلفة رؤى المبدعين في هذا القطاع، فشكلت أيضًا فرصة للاطلاع على تجارب جامعين محليين والاستفادة من بعض النصائح في ما يتعلق بالتوجهات السائدة والأسعار وحالة السوق.

صفوف تطبيقية أتاحت للهواة استكشاف مهاراتهم في فن صناعة الساعات.

Dubai Watch Week
صفوف تطبيقية أتاحت للهواة استكشاف مهاراتهم في فن صناعة الساعات.


كما شملت الجلسات على سبيل المثال نقاشًا مع جان كلود بيفر حول الثورة التي أحدثها في قطاع الساعات، والإعلان عن جائزة الساعات من لويس فويتون للمبدعين المستقلين، وجلسة لاستكشاف تأثير مسيرة كريستيان ديور اليوم على ابتكارات الدار في عالم الساعات وكيف أن كل إبداع جديد ينبثق عن تلاقي عالم الأزياء الفاخرة وصناعة الساعات السويسرية، والإتقان الحرفي والفنون. كان تلاقي الخيال وحس الابتكار حاضرًا أيضًا في جلسة تعليمية غامرة لتعرّف مقاربة فان كليف أند آربلز الشاعرية لفن صناعة الساعات. 

كتاب Beyond Time الذي أطلقته بولغري في دبي في سياق أسبوع الساعات، وفيه توثّق أبرز المحطات في مسيرتها الإبداعية.

Bulgari
كتاب Beyond Time الذي أطلقته بولغري في دبي في سياق أسبوع الساعات، وفيه توثّق أبرز المحطات في مسيرتها الإبداعية.


وعلى ما عوّدنا أسبوع الساعات في دبي، نُظم على الهامش 11 صفًا تعليميًا شملت جلسة لبناء ميناء ساعة Miss Audrey Sweet Art من بوفيه (المشغول من السكر الخام)، وورشة عمل من علامة Sheikhen  لتحويل ملاعق فضية عتيقة الطراز إلى أعمال فنية يمكن التزيّن بها.  

شمل برنامج الدروس أيضًا صفًا تطبيقيًا لاستكشاف حس الابتكار على مستوى الشكل والمادة من خلال ساعة Octo Finissimo Perpetual Calendar من دار بولغري التي أطلقت أيضًا في أسبوع الساعات في دبي كتابها Beyond Time الذي يوثّق أبرز المحطات في مسيرتها، فيما كشفت في جناحها الخاص عن مجموعة من ابتكاراتها الأيقونية إلى جانب تفسيرات جديدة لساعة Diva’s Dream Peakock التي ترتقي بمفهوم الأعمال الفنية إلى مستوى إبداعي جديد.  

ندوات وجلسات تفاعلية مختلفة نظمتها كريستيز للإضاءة على موضوعات وثيقة الارتباط بفن الساعات، وسوق العقارات، وعالم المزادات.

Dubai Watch Week
ندوات وجلسات تفاعلية مختلفة نظمتها كريستيز للإضاءة على موضوعات وثيقة الارتباط بفن الساعات، وسوق العقارات، وعالم المزادات.

في جناح كريستيز 

عادت دار كريستيز للمزادات هذه المرة أيضًا إلى أسبوع الساعات في دبي بجناح خاص استضافت فيه، إلى جانب معرض للساعات الحديثة وعتيقة الطراز والجواهر والأعمال الفنية، ندوات وجلسات تفاعلية مختلفة. وقد سلطت الدار الضوء في هذه الدورة على موضوعات وثيقة الارتباط بفن الساعات مثل التميّز في عالم باتيك فيليب، والانطلاق في رحلة جمع الساعات، وأهمية المنشأ في تحديد قيمة الساعة.

على أن هذه المنصة لم تحصر أنشطتها في عالم الساعات، على ما شهدت مثلاً جلسة خاصة لاستعراض واقع سوق العقارات وماضيه ومستقبله في الإمارات العربية المتحدة. كان اللافت أيضًا أن كريستيز نظمت مزادًا خاصًا للأطفال ما بين سن السابعة وسن الرابعة عشرة لتتيح لهم اختبار هذه التجربة على أرض الواقع.